...
Img 20251023 wa0048

 

بقلم إيمان شلاش

 

كما هو المعتاد في كل الحروب الخاسرة التي تجمع أبناء وطنٍ واحدٍ ليتحاربوا فيما بينهم، فيدخلها الجميع ليخرجوا منها خاسرين لأنفسهم أو لأحد أحبّتهم، هذا هو حال كلٍّ من أحمد وخالد، أولاد العم الذين افترقوا منذ الصغر، وقطن كلٌّ منهم مع أبيه في محافظةٍ مختلفة.

 

ولأن الآباء كانا على خلافٍ كبير، لم يكن هناك تواصل بين خالد وأحمد، ولم يكونا يعرفان حتى ملامح بعضهما البعض.

 

كبروا ودرسوا، وما إن أوشكا على إنهاء دراستهما، حتى اشتعلت حربٌ كبيرةٌ في بلدهم، فقرّر خالد، وهو طالب طب في السنة الأخيرة، أن يتطوّع في صفوف الأطباء الميدانيين.

 

أما أحمد، فكان طريقه مختلفًا تمامًا، فكان ممّن حمل السلاح وخرج للحرب والقتال.

 

استمرت الحرب أيامًا، وأسابيع، وأشهرًا، وسنوات، إلى أن شاء القدر أن تقترب المسافات بين طرفي النزاع، وتتداخل القوات ببعضها، فيُطلب من خالد أن يذهب إلى أرض المعركة لمساعدة جرحى الجيش الذي ينتمي إليه.

 

أما أحمد، فقد حزم أمتعته وانطلق ليخوض معركةً مصيريةً يعرف أنه لن يعود منها سالمًا لهول وضخامة ما سيحدث.

 

بدأت المعركة، وبدأ الشهداء يتساقطون واحدًا تلو الآخر… والنيران تتطاير في كل مكان، ورائحة الموت منتشرة في كل الساحات.

 

كان الأطباء يسعون بكل جهدهم ليساعدوا الجميع، وخالد واحدٌ منهم.

 

فجأة، سمع خالد صوتًا من بعيد يصرخ: “أسرنا أحد أفراد العدو!”

 

فركض خالد ليرى إن كان يستطيع المساعدة، فوجد شابًا مصابًا في قدمه، والدماء تنزف منه بكثرة. بدأ خالد يساعده ويضمد جروحه، حتى بدأ يسمع من حوله أصوات جنود جيشه يقولون له:

“لا… لا… لا تساعده، اتركه يموت!”

 

ولكن مهنة خالد الإنسانية تستوجب أن يساعد كل من يراه مصابًا.

 

كان خالد يحاول جاهدًا أن يُبقي ذلك الشاب بوعيه لكي يستطيع إسعافه بشكلٍ أفضل، فكان يضمد جرحه ويطرح عليه الأسئلة ليستمر ذلك الشاب بالإجابة والبقاء بوعيه.

 

خالد: هل تسمعني؟ ما هو اسمك؟ من أين أنت؟

الشاب: أحمد… اسمي أحمد… لا أريد مساعدتك، أريد فقط أن تتركني أهرب، لن يرحمني رفاقك.

خالد: تهرب؟ ألم تدخل هذه المعركة لكي تقاتل وتقتل؟ لماذا أصبحت جبانًا فجأة؟

أحمد: لا، لستُ جبانًا، ولو كان الأمر يعود لي، لفجّرت نفسي وقتلتكم معي، ولكن عليّ أن أعود لأبي، لن يتحمّل خبر وفاتي، هو مريض قلب، وأنا ابنه الوحيد.

خالد: اصمت، لا تهمني لا أنت ولا والدك، كل ما عليّ هو أن أضمد جرحك وأذهب لأساعد غيرك.

أحمد: لم أنتظر منك أن تساعدني، فأنتم أنجاس.

خالد: وماذا عنكم أنتم؟

 

وفجأة، يقطع حديثهم صوتٌ من بعيد:

“أين الأسير؟ هاتوه لي، وسجّلوا اسمه في قائمة الأسرى!”

 

ولأن خالد هو الطبيب المشرف، بدأ بتفتيش أحمد، فوجد بطاقته الشخصية، وعندما بدأ يسجّل معلوماته الشخصية، صُدم عندما وجد نفس كنيته واسم جده ذاته في البطاقة.

 

وعندما نظر إلى اسم الأب، وجده اسم عمه الذي هو في خلافٍ كبيرٍ مع والده.

 

لم يعرف خالد ماذا يفعل، فذلك الأسير الذي هو متيقّن أنه سيتم تصفيته وتعذيبه واستجوابه، هو ابن عمه.

 

ولكن أي عم؟ عمه الذي بنظره هو العدو اللدود لوالده… ولكن ماذا يفعل؟

 

هل سيسمح لأحمد بالمغادرة ويساعده على الهروب؟

أم سيتمسّك به لينال عقابه ويُقتل، ويحرق قلب أبيه الذي سرق من والد خالد أموالًا كثيرة وظلمه؟

أم سيتركه لغير طبيبٍ يتولّى أمره، وهكذا يكون بعيدًا عن القصة هو؟

 

يتبع…

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *