كتبت: ملاك عاطف
بعد نداء الاستغاثة الذي أطلقته مادلين، انقلبت
الآية رأسًا على عقب؛ لتتخذ منحنًا جديدًا خارجًا عن المألوف. فعلى خلاف العادة، تحركت الشعوب
في المغرب العربيِّ؛ لتعلِنَ كسرها لحاجز الصمت، وتجسد القول بالفعل، وتتبادل الأدوار مع
المؤسسات الإنسانيّة والمنظمات الحقوقيّة.
في صباح يوم الإثنين، بعد أن رصدت الأقمار الصناعية وكذلك المحطات الفضائية والقنوات الإخباريّة
سيطرة جيش الاحتلال الإسرائيلي على السفينة مادلين، وُلِدت قافلة الصمود الإنسانيّة من وعيِ
شعبٍ عينه على قضيّة فلسطين، وضميره يقظٌ يأنّبه تارةً ويلومه تارة. وقد انطلقت القافلةُ بتوجيهٍ من عروبتها، وبدعمٍ من الشرفاء الذين وحّدهم الحقّ وحرّكهم دينهم ودمهم وقهرهم المشترك،
ثم تبعتها المنظمات الحقوقية سائرةً على درب خطاها الوفية.
من تونس بدأت الرّحلة، بألفِ روحٍ نقيّة تركت
خلفها آلافًا يضمرون نيّةً صادقةً وتحكم عليهم الظروف بالقعود. ألفُ تونسيٍّ وبضع مئات، /بينهم شيوخ ونساء/ قرّروا رفع الحصار بالصوت والشعور والكلمة،
وانضمّ إليهم إخوةٌ كثرٌ شاركوهم الحميّةَ ذاتها من الجزائر وليبيا والمغرب، وكلّما مرّوا على مدينةٍ كبرت القافلة، وازداد وقود الدافع، وتعملق النصر في
الأفئدة. وكلّما نزلوا بقطرٍ من أقطار القارّة الإفريقيّة، حُفّوا بالترحاب والتكريم.
وفي مصر، تغير مجرى الحدث، وساد الذهول
على جو الانتفاضة السلمية، وعمّت الخيبةُ جنبات الأرواح؛ فقد رفض رئيس الدولة المصرية السماح للقافلة بالمرور سيرًا على الأقدام إلى معبر رفح، واحتُجز الناس لساعات دون أن يؤذن لهم بدخول
غزّةَ كسائحين حتّى. وفي مقابلةٍ مع أحد المشاركين في القافلة، اختتم حديثه بحرقةٍ قائلًا: فهذه ليست طريقة دولة محترمة، هذه طريقة دولة بلطجية.
لقد وصلت الرّسالةُ النبيلة إلى الفلسطينيّ كله،
وفرح بها واستبشر، ولكن القافلةَ عادت مسلوبة
الهدف كما عادت مادلين، وما زال القطاع يواجه الدنيا وحيدًا جائعًا محاصرًا، وما زال مقطوعًا عن العالم، يُبادُ مغيّبًا عنّا بعد انقطاع الاتصال وشبكات الإنترنت.
![]()
