...
IMG 20260124 WA0008

بقلم / فتحى عبدالحميد

 

 

ثمة أشياء لا تمتلك،
لانها خلقت لتسكن لا لتمسك،
ولتقيم في تجاويف الروح لا في خزائن المنطق.

هي ليست أفكارا، بل ارتعاشات،
وليست وقائع، بل ومضات من حقيقة أعلى
تاتي حين يغفو الواقع،
ويصحو القلب.

العقل هذا الحارس الصارم
يطلب البرهان كما يطلب القاضى الدليل،
يحسب، يقيس، ويجزئ الضوء الى الوانه،
لكنه يعجز أمام النور ذاته.
فالنور لا يقاس، بل يرى،
ولا يفهم، بل يحس.
وهنا حيث تنتهي أدوات العقل
تبدأ سيادة القلب.

القلب لا يبرهن،
لكنه يعرف.
لا يشرح،
لكنه يشهد.
فيه تسكن تلك الحقائق التي لا تحتمل المنطق،
كالحنين الذي لا سبب له،
وكالحب الذي يولد قبل ان نعرف من نحب،
وكالوجع الذي يسبق الجرح.

القلب في جوهره ذاكرة لما لم نعشه،
وشوق لما لم يحدث بعد.

اما الواقع
فهو قاس في بساطته،
ضيق في منطقه،
يريد لكل شيء اسما، ولكل شعور سببا،
ولكل دمعة تفسيرا.
لكن ماذا يفعل الواقع
بدمعة نزلت لأن الروح تذكرت وطنا لم تطاه قدم
ماذا يفعل
بابتسامة خرجت لأن القلب لمح طيفا لا وجود له
الواقع لا يعترف إلا بما يرى،
أما ما يحس
فمحكوم عليه بالنفي.

ولهذا تظل أعظم الحقائق
حبيسة النفس.
هناك في الأعماق التي لا يصلها ضوء
تعيش مشاعر لا تجد لغة،
وأفكار لا تجد جرأة،
وأحلام تخجل من أن تروى.
نخفيها لا لأنها عيب،
بل لأنها أعمق من أن تقال،
وأصدق من أن تعرض على سوق الكلمات.

نحمل في داخلنا حياة موازية
لا يعرفها احد
نضحك خارجيا،
ونبكي داخليا،
نتكلم بصوت،
ونصمت بروح.
وفي هذا الإنشطار المؤلم
يولد الانسان الحقيقي
ذاك الذي يراه الناس يبقى قشرة،
أما ما تعرفه نفسه هو الجوهر.

ما لا يملكه العقل
هو ما يجعلنا بشرا لا الآت.
وما يخضع للقلب
هو ما يجعلنا احياء لا مجرد موجودين.

وما لا يستوعبه الواقع
هو الدليل أن العالم أوسع من الشوارع،
وأكبر من الوقائع،
وأعمق من الأخبار.

أما ما لا يظهر للعام
فهو أثمن ما فينا.

لأن اللالئ لا تعرض في الضوء،
والنجوم لا تلمع الا في العتمة،
وكذلك نحن
أجمل ما فينا
لا يرى
بل يحس،
ولا يقال
بل يعاش في صمت
حيث تسكن الروح .

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *