...
IMG 20260125 WA0302

 

الكاتبه مريم لقطي

 

الفصل الثاني “وطن المتعبين”

“الألم جزء من روح الإنسان وروح الإنسان كلها ألم”

حيث مملكة العذاب يبدو الوضع بائسًا من الدرجة الأولى، رمادي منحاز إلى السواد، في تلك المملكة لا نسمع سوى عويل السجناء ولا نرى سوى دموع الأمهات، بكاء الصغار من الجوع والبرد في الشتاء.

فاجعة الموت التي نراها يوميًا، كل مرة يهدم منزل ويقتل أصحابه قتلاً، هي مملكة أُلقيت عليها لعنة الشرذمة فامتلأت بالشياطين وأضحت محمية لا يستطيع أحد تجاوز حصونها.

حياة الشعب اليوم في مملكة العذاب ماهي إلا رحلة إلى قعر العذاب حيث يمتزج الألم بلوحات اليأس والحزن.

ويسافر الألم بعيدًا تذروه الرياح، تتشكل اللحظات البائسة كظلال ثقيلة تُرسم على كل الوجوه فتترك آثارًا سوداء، آثار تؤلم القلب وتوجع الروح…

تتراقص الأضواء المتلألئة لرصاصات ثانوس فادوز، كل طلقة تنطلق لتضيئ عتمة الليل بنيرانها وتلتهم الظلام.

ثانوس يتحرك بسرعة باحثًا عن لحظة مناسبة لتصويب طلقة قاتلة، فلا مجال للخطأ في هذه المعركة المميتة.

الظلام يعزف ألحانًا مرعبة، وكل طرف يحاول التخلص من الآخر، يتحرك ثانوس فجأة بسرعة فائقة وببراعة، متلاعبًا بالعدو بينما يسدد طلقاته ويلقي بقنبلة في اتجاه الخصم لتتفحم جثته ويضحي المكان رمادًا.

يغادر ثانوس والابتسامة لا تفارق شفتيه، تفقد هاتفه ليجد رسالة من عمه يخبره بأنه تم استدعاؤه من طرف الملك أنطوان سيناتوس إلى قلعة جوارتشا.

تستيقظ صباحًا لتقابلها غرفتها ذات الطراز الكلاسيكي، ذات لون بني فاتح مماثل للون شعرها.

تتثائب ثم تغادر فراشها، تأخذ حمامًا دافئًا وتتساءل لم وُلدت بهذه العائلة اللعينة.

تنزل الدرجات بخطى ساخطة لتقابلها قاعة الإفطار، تجلس مقابلة أخاها إيكند الذي تمقته لتفوقها في الدراسة كون جميع السكان يحبونها، أما هو على الرغم من انحداره من عائلة نبيلة إلا أن كل تصرفاته هوجاء.

أما أليانا فتاة مرحة، حنونة على عكس والديها وأعمامها ذوي الطباع الحادة والأنانية، فهم دائمًا يتفاخرون بمكانتهم.

أنهت أليانا كلوي إفطارها لتتجه إلى الإسطبل وتأخذ حصانها بريق في جولة حول الغابة.

تعود في المساء على صوت شجار حاد لتدخل متسائلة: “ما الذي يحدث لما كل هذا الصراخ؟”

يجيب والدها السيد جيمس: “تلقينا دعوة من الملك أنطوان سيناتوس، ثمة اجتماع بقلعة جوارتشا.”

أليانا: “وما المشكلة بذلك؟”

جيمس: “لأنه طبعا سيقحمنا بمشاكل جديدة ويحاول مساعدة أهالي مملكة العذاب.”

أليانا: “والمشكلة بذلك؟ إن شرف الإنسان يكمن في المحاولة، أنا سوف أذهب.”

لتتركهم وتتجه مجددًا إلى غرفتها لتتصل بصديقتها أريانا رينو الملقبة بسيمفونية الحياة، أريانا من عامة الشعب لكن جمعتها صدفة غريبة مع أليانا ليصبحا أعز صديقتان.

أريانا: “واو الآن تذكرتي بأن لك صديقة تدعى أري؟”

أليانا: “لست بمزاج يسمح بالمزاح، سأذهب إلى قلعة جوارتشا.”

أريانا: “هذا رائع، تبا ستقابلين ذلك الملك الوسيم!”

أليانا: “أرغب في مساعدة سكان مملكة العذاب، ما رأيك في مرافقتي؟”

أريانا: “لن أرفض عرضًا هكذا.”

تنتهي المكالمة لتغلق أريانا الهاتف، لتتجه حيث البيانو خاصتها وتنساب دموعها كالشلالات، جحيم خارق لا مهرب لها منه منذ سبع سنوات لعينة.

ما ذنبها؟ ما الذي اقترفته كي تعيش مذنبة؟

هذا سؤال لا إجابة له، سؤال يصعب تركيب كلمات للإجابة عنه، تعزف ألحانًا جنونية، حزينة، تبكي وتصرخ، فداخلها فارغ جدًا وكأنها لا تنتمي إلى أي مكان.

تنهي العزف لترتمي أرضًا تحتضن ركبتاها، تنظر للفراغ، إلى اللاشيء.

لماذا تعاقب بهذه الطريقة البشعة؟ ما ذنبها أن تموت والدتها يوم ميلادها؟ لم يكرهها والدها، فلماذا هي منبوذة من طرف عائلتها؟

هي عادت إلى سنوات قد خلت، ليس رغبة منها بالعودة ونبش ما انتهت منه وحرقته مسبقًا، بل لأن شمعة داخلها فقدت لهيبها وتكاد تنطفئ، إنها آخر شمعة تبقت داخلها، داخل قلب فقد حماسه.

حان دوري الآن، الخنجر سيكون بين يدي.

بلا سابق إنذار، بسرعة غير محسومة، كانت الأيام والأماكن تتحركك في اتجاه واحد محدد، جاذبية تبدو غامضة لكنها واضحة جدًا وملموسة، تجعل من الزمن يبدو وكأنه يتمدد وينكمش في نفس الآن.

أمطار غزيرة ورياح عاتية، يتداخل صوت المطر القوي مع صخب الرياح، السماء مظلمة بالغيوم السوداء، والبرق يلمع بشكل مخيف يشق السماء، يتبعه صوت الرعد القوي الذي يضفي على الجو طابعًا مخيفًا مهولًا…

ينزل الدرجات بغضب، يظهر على وجهه عبوسًا، خطواته كانت ثقيلة، لكن تصرفاته كانت كإشارات إلى غضب أو استياء داخلي.

يدخل إلى ذلك المخزن المهترئ حيث توجد جميع أنواع ومعدات التعذيب، ليبدأ تعذيب فريسته، نازغًا أظافره الواحد تلو الآخر، ثم يقوم بتقطيع أصابعه مع إصابته صعقات كهربائية دون الرأفة بحال الضحية.

هذا هو الصقر الجارح يمارس كل سطوته على الضحية دون السماح له بقول شيء.

حيث الوحدة والفراغ يحاولان التهامك شيئًا فشيئًا، نجد المكان مقلوبًا رأسًا على عقب، وذلك الجسد مرمي بإهمال في غرفة الجلوس على أحد الأرائك.

قنينات الشراب منتشرة هنا وهناك، الفوضى تعج بالمكان، ومن الوهلة الأولى التي ترى فيها هذا الشخص تعتقد بأنه مجنون، ولكنك ستتساءل أيضًا عن السبب الذي دفعه للجنون؟

ما الذي يدفع الشخص ليكون في قمة الإهمال واللامبالاة؟

يبدأ هاتفه بالرنين محدثًا ضجيجًا، ليفتح عيناه الزجاجية الناعسة، يزيح شعره الأسود الذي طالت بعض خصلاته عن جبينه، يبحث عن هاتفه ويتساءل عن الطرف المزعج هذا الصباح، لو كان أمامه لبدأ بركله حتى يتخلص منه.

وجد الهاتف اللعين ليجد رسالة من الملك أنطوان ويبدو أنه مدعو إلى قلعة جوارتشا.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *