الكاتبه مريم لقطي
الفصل السادس
أَتدري مَن جاعَ اليوم يا عُمَر..
لقَد جاعَ كِرامُ قومِنا، وشَبعَ لِئامُها!
الطقس شتوي بإمتياز، الغيوم متلبدة في كبد السماء، الأمطار تهطل بغزارة، وكان الجميع في بيوتهم يخشون برد الشتاء المهيب. إلا شخص واحد وهو السيد مياكيل، كان يعمل من أجل لقمة عيش تحميه من التشرد ومن أجل إسكات بطون صغاره الخاوية. توفت زوجته وتركت بذمته طفلًا ذو ستة أعوام وطفلة ذات سنتين.
كان العمل يأخذ معظم وقته في حين ظلّ صغيريه حبيسي المنزل.
وعلى الرغم من تعبه إلا أنه حين عودته، بمجرد رؤيته لطفليه ينسى همومه وتعبه يتلاشى. كان يطبخ في الليل ليوم كامل حتى لا يبقى صغره للجوع.
مرت ثلاث سنوات على ذات الحال، أصبح عمر الطفل تسع أعوام والطفلة خمس سنوات.
وذات يوم استيقظ ديمتري ولم يجد الطعام الذي كان يعده والده كل صباح، فطائر التوت المحلاة وأكواب القهوة من الشوكولاتة، استغرب وظن أن والده ربما قرر أخذ إجازة بسبب التعب والعمل الذي لا ينتهي، صعد على مهل الدرج متجهًا إلى غرفة والده.
لم يستطع حتى الوقوف على قدميه، خانته عيونه فإنهمرت دموعه.
جلس جاثيًا على ركبتيه، كان جسده يهتز بالكامل، ولا شيء على وجه هذه الأرض قادر على تعزيته.
فالعزاء لا يغني فاقدًا عمن فقد.
ببساطة، بل وبكل مأساة، طفل بعمر التسع سنوات رأى مشهدًا مهولًا، قاسيًا، بل قاتلًا.
رأى والده روحه في بركة من الدماء مقطوع الرأس، وصغيرته لينا تلقت طعنة بمنتصف القلب.
طفل أضناه التعب وأرداه قتيلًا، طفل فقد الأمل برحيل أسرته، وبقي بقلب خاوي، فارغ.
طفل غادرت السعادة قلبه وسافرت مع ذرات الرياح.
منذ ذلك أخذته عمته سوزانا للعيش معها، لم يكن سعيدًا لكنه كان مرغّمًا على تقبل الوضع، لم يكن وجوده مرحبًا به، على الرغم من كونه طفلًا صغيرًا. كان زوج عمته يجبره على مساعدته في الأعمال الشاقة، في حين يحظى أطفاله باللعب وحياة الرفاه مقارنة به.
طفل مثله عاش المعاناة بجميع أنواعها.
خرج من شروده، ومن ذكرياته المقيتة على أصوات الفريق والضجيج بالخارج مع طلوع الفجر.
استحم واستخدم قواه للوصول إلى المطبخ وتفاجأ من وجود نيكولاي يطبخ، ولكن بدل أن يشتم رائحة طعام، كانت رائحة شيء يحترق تغزو المكان، ونيكولاي يضع السماعات ويرقص والدخان يتصاعد من المقلاة إلى أن نشب حريق بالمطبخ. بسرعة قام ديمتري بإطفائه باستخدام قواه، وأتى الفريق كاملًا مع صوت صراخ ديمتري الذي بدأ يعلو شيئًا فشيئًا.
كان الدخان يعم المطبخ والجميع يضحك بهستيرية، عدا ديمتري الذي ترك المطبخ غاضبًا.
بعد الإفطار، كان الفرسان في ساحة التدريبات، ساحة خضراء كبيرة، تملؤها أشجار كثيرة، كما تتخللها حواجز متحركة تتغير مواقعها باستمرار.
كانت الساحة أو رقعة التدريبات مقسمة إلى أجزاء، قسم يتعلق بالرماية، وآخر يخص المبارزة، وقسم من أجل التدريب على القوى المكتسبة.
كان كل فارس مشغولًا بتدريباته، محاولًا تنمية قدراته، إلى أن وصل إشعار للفريق وكانت رسالة من الملكة.
قرأت أليانا بصوت عال: “أيها الفرسان، لديكم اختبار، سيكون قتال بينكم وبين فريق تشيماري غدًا، استعدوا جيدًا”.
قررت هيجيا أن تعد لهم غداءً سريعًا بفضل قواها وقدراتها كساحرة، ومن ثم يواصلون تدريباتهم.
بعد خمسة عشر دقيقة كانت الطاولة ممتلئة بالكثير من اللحم المشوي مع بعض من الخضروات الطازجة وقليل من الدماء لملك مملكة النغاس، أو لنقول الفارس بطرس تيجوس؛ فقد كان والده من فصيلة مصاصي الدماء، في حين كانت أمه بشرية عادية.
لم تخلو الطاولة من المشاحنات بين نيكولاي وآيريس، وكانت هيجيا في كل مرة تقذف أحدهما بكراتها الملتهبة، إلى أن انتهى وقت الغداء وحان الوقت ليتوجهوا جميعًا إلى ساحة التدريبات.
قبل أن ينقسموا ظهر فجأة أمامهم ضوء ساطع ضبابي، ثم تشكل على هيئة امرأة ذات شعر مموج بني تتخلله خصلات صفراء، ترتدي فستانًا أبيض طويلًا وقفازات سوداء.
تكلمت بصوت ناعم وجدي في آن: “مرحبًا أيها الفرسان، أنا أنابيل، جئت من قبل الملكة وهي تبلغكم سلامها وتتمنى لكم الفوز غدًا، جئت لأتولى مهام تنظيف المنزل والطعام وكل ما يلزمكم حتى تتمكنوا من التدريب جيدًا.”
هيجيا: “أوه، كم هذا رائع! سأتخلص من ترتيب غرفتي أخيرًا.”
نيكولاي: “أنت بالأساس لا تستغرقين وقتًا، بفضل قواك في لمح البصر تصبح غرفتك مرتبة.”
قذفته بكرة أخرى كرسالة له ليصمت.
إليانورا: “إذا يا أنابيل، سوف آخذك في جولة سريعة لأعرفك على قلعة جوارتشا.”
اتجهتا إلى القلعة، وكانت أنابيل منبهرة من جمالها إذ تبدو وكأنها أسطورة نُحتت على صخور الزمن، يحيط بها الضباب كستار فوضوي عجيب والكثير من الأشجار العالية التي تتمايل بفعل الرياح، كلما قطعها أحدهم تنمو من جديد.
بمجرد أن دخلوا القلعة أحذتها إليانورا باتجاه قاعة الجلوس، التي كانت ذات لون بيج فاتح وسجاد أسود كبير مفروش على أرضيتها، علقت على جدرانها عدة لوحات لمحاربين، وسيف لامع منحوت بدقة.
وكانت هناك ساعة تدق ببطء كدقات طبول الحرب.
إليانورا: “هنا تكون أغلب اجتماعاتنا.”
أنابيل: “تبدو وكأنها من العصور القديمة، تشبه ساحات القتال.”
إليانورا: “الآن سوف أعرفك على أجنحتنا.”
كان جناح هيجيا أحمر كالجمر الملتهب، يعكس صخبها وجنونها، وكان به تمثال كبير لأفعى ذهبية تحمل كأس شراب بين يديها وقطرات دماء تفسد صفاء لونها الذهبي.
جناح ديمتري كان أسود قاتم، ولكن سقفه كانت تتخلله نجوم لامعة ربما تعكس أرواح أشخاص يحبهم قد فارقوا الحياة.
وعلى إحدى جدرانه كانت لوحة حمراء تحمل بداخلها وردة الماريغولد، كانت جميلة بطريقة فاتنة.
تكلمت إليانورا بكل حماس عند الوصول إلى جناحها: “هذا جناحي، أنا أحب اللون الأصفر كثيرًا وهو يمثلني كملكة كوكب الشمس. والآن هذا جناح المجنون نيكولاي، احذري منه فهو زير ونساء.”
كان جناحه فوضويًا بشدة، وثيابه مرمية على الأرضية بكل إهمال.
أكملت جولتها، وكان أكثر جناح قد نال إعجابها هو جناح أريانا، كان لونه زهري فاتح ولامع في آن، سقفه كان يحتوي على ورود صغيرة مضيئة، كانت الغرفة تشبه ليلة ليلكية تخلو من كل شيء، ما عدا ضوء النجوم.
“إذا يا أنابيل، الآن سوف أتركك خذي قليلًا من الراحة وسألتحق بالفرسان كي نواصل التدريبات.”
أنابيل: “شكرًا، وأتمنى لكم الفوز غدًا، وإنقاذ مملكة العذاب من ظلم ماكس وطغيانه.”
كانت أريانا تحت شجرة تحاول التعود على الكمان أكثر، تنسج ظلالًا وتحاول التحكم بالعقول.
وفي قسم المبارزة كان أنطوان يساعد بطرس في تنمية مهارته في المبارزة، كان سيف أنطوان أسود اللون به ثلاثة نجوم فضية، وسيف بطرس لونه أسود.
أنطوان: “هناك خمس قواعد في فن المبارزة لا يجب عليك نسيانها، ألا وهي: الدقة، سرعة رد الفعل، سرعة أداء الحركة، القوة، والتوافق.”
بينما كان بطرس يحاول فهم جميع القواعد باغته أنطوان بضربة فأدت إلى جرح بكتفه.
أنطوان: “إياك أن تندهش ويغيب تركيزك، بذلك ستترك فرصة ذهبية لخصمك كي يقضي عليك.”
وبقسم الرماية كان نيكولاي وآرام يعلمان آيريس كيف تصيب الهدف بدقة عالية وسرعة فائقة في آن. وفي إحدى اللحظات كان آرام بالقرب من الهدف يحاول تفسير القواعد، انطلق السهم من بين يديها وكاد يفقع عيني آرام لو لا تفاديه للسهم في آخر لحظة.
![]()
