الكاتبه مريم لقطي
الفصل الخامس
“أفضل الحرية المحفوفة بالمخاطر بدل العيش في عبودية آمنة”
كانت خاطفة للأنفاس ومرعبة في ذات الآن، ففور أن أعلنت الملكة دعمها للشعب والفرسان، حلّ الدخان كأنه شبح جاثم فوق المكان، تصاعدت الصرخات وحاول الجميع التراجع، لكن الدخان اختفى فجأة مع اختفاء أريانا بين طياته.
استيقظت أريانا على صوت قرع ساعة حائط قديمة، فتحت عيناها لتجد نفسها في قاعة فسيحة مزينة بثريات كريستالية لامعة ومرايا ضخمة تعكس ضوء الشموع الخافتة، الجدران مغطاة بورق مزخرف فضي، وأثاث المكان يعبق بفخامة العصر الفيكتوري. تقدمت بخطى حذرة والرهبة تخيم على قلبها.
“أين أنا؟ كيف وصلت إلى هنا؟” سألت نفسها بصوت مرتجف.
فجأة ظهر أمامها شخص غريب الهيئة، عجوز وجهه تكسوه التجاعيد، وعيناه تحملان بريقًا غامضًا.
تكلم العجوز: “أخيرًا أتيتِ، أتيتِ يا كنز الزمن”.
ارتبكت أريانا وسألته: “من أنت؟”
ابتسم العجوز: “أنا كارتر، حارس الزمن، وهذا المكان هو زمن آخر، عالم مختلف عن عالمك. قواكِ التي وُلدت داخلكِ أحضرتكِ إلى هنا لتكتشفيها”.
أريانا: “ما هذا الهراء؟ وعن أي قوى تتحدث أيها الغريب؟”
أجابها: “قوى السارون. أنتِ لستِ عادية، أنتِ لم تأتي عبثًا، قوى السارون زُرعت داخلكِ لتكوني فارسة من بين الفرسان، والآن اتبعيني فقط”.
أخذها كارتر إلى غرفة صغيرة مليئة بكتب قديمة وأدوات غريبة الشكل.
على طاولة بنية في المنتصف، وُضع كمان قديم الطراز لونه قرمزي.
“هذا ليس أي كمان، أريانا، عندما تعزفين عليه تسيطرين على العقول، تقودين الجموع، وتزرعين فيهم ما تختارينه من أفكار، لكن هذه القوة ليست مجرد هدية، إنما هي عبء أيضًا، وعندما تعودين إلى عالمك ستجدين من يواصل تدريبك عليها، هذا كنز ثمين وذكرى من الملكة نيروزا الراحلة”.
حاولت أريانا الإمساك بالكمان وهي لا تصدق أيًّا مما هي فيه، ولكن شعورًا داخلها دفعها للإمساك بالكمان، لكنها شعرت بتيار كهربائي يسري في يديها، كان رأسها يمتلئ برؤى لم تفهمها، معارك، وجوه مألوفة، وأصوات تصرخ.
“ما الذي يحدث؟” صاحت وهي تبتعد عن الكمان.
“إنه اختباركِ الأول، القوة تتطلب الثقة، إذا لم تؤمني بنفسكِ فإنها ستلتهمكِ”.
………………………………….
بينما في العالم الموازي كان الفرسان يبحثون عنها بلا جدوى، وكانت أليانا تشعر بالأسف الشديد والحزن لأنها هي من طلبت أن ترافقها إلى قلعة جوارتشا.
آرام كان يحاول اكتشاف رموز الدخان الذي حملها بين ثناياه، وفلورا كانت تستخدم قدراتها لاستشعار أثرها.
هيجيا: “اختفاؤها ليس طبيعيًا، هناك قوة أعظم منا جميعًا تتحكم في هذا”.
آرام: “مهما كان، سنجدها وسننقذ إليانورا”.
بعد سبعة أيام من البحث المتواصل دون جدوى، وحيث كان الفرسان غارقين في التفكير والشعور بالعجز يلتهمهم، ظهر وميض غامض وتحول الهواء من حولهم إلى دوامة، وظهرت أريانا، لكن ليس كما عهدوها، كانت ترتدي ثوبًا أسود طويلًا مزخرفًا بالذهب، وشعرها يتطاير كأنه جزء من الريح نفسها، بين يديها الكمان الذي كان يلمع بوميض غريب، اقتربت منهم بخطوات واثقة، وعيناها تحملان نظرة ثأر.
أسرعت أليانا تعانقها بقوة، وبادلتها العناق.
ديمتري بصوته البارد: “ما الذي حصل؟ وأين كنتِ؟”
لم تجبه، بل رفعت الكمان وعزفت نغمة قصيرة جعلت الهواء حولهم يضطرب، وأحاطت بهم هالة من الضباب الناعم.
“لقد منحتني الرحلة عبر الزمن ما كنت أفتقده”.
ثانوس: “إذًا أي زمن هذا الذي كنتِ فيه؟”
أريانا: “العصر الفيكتوري”.
في ظلال العصر الفيكتوري وُلدت قوة جديدة، لكن كل قوة تأتي بثمن، فهل ستحسن أريانا استخدامها؟
في قلب مملكة العذاب كانت إليانورا أسيرة بين يدي الساحرة مينمارا، حيث جُردت من قواها وجُعلت في قيد السلاسل، بينما كانت الظلال التي تخيم على تلك القلعة تزداد كثافة.
كان ماكس يخطط أن يضم كوكب الشمس إلى مملكته لزيادة سلطته وبسطها على الكون أجمع.
بينما كانت إليانورا تتنفس بصعوبة بعيدًا عن الضوء الذي كانت تشبهه، وكان بطرس الذي اكتشف المكان يخبر الفرسان بعد عودته: “إنها داخل قلعة مظلمة محاصرة من قبل مينمارا، وإذا لم نسرع في إنقاذها سيكون كوكب الشمس تحت سيطرة ماكس”.
انطلق الفرسان لإنقاذ إليانورا بعد سماعهم لقصة أريانا وما حصل معها في ذلك الزمن، مهمة محفوفة بالمخاطر.
كانت دروب مظلمة مليئة بالفخاخ السحرية التي حولت كل خطوة إلى تحدٍّ صعب، ولكن بإصرار اجتازوا كل تلك المحن.
كانت أريانا تسير وسطهم عازفة في قلب المعركة، مسيطرة على عقول المخلوقات التي اعترضتهم.
عندما وصلوا أخيرًا إلى القلعة المظلمة، كانت الظلال تحاول احتواء كل شيء، وكانت مينمارا تقف بحضورها القوي، ووجهها الذي يعكس ملامح الشر، وعيونها التي تلمع بحقد: “لقد تأخرتم كثيرًا أيها الجبناء، هذا المكان لي ولماكس”.
وبدأت في إطلاق تعاويذها المدمرة، فكانت الكهرباء تتطاير من يديها، والظلال تتجمع حولهم كالسلاسل، فحتى هيجيا على الرغم من أنها ساحرة لم تستطع مقاومة تلك التعاويذ، فبدأ كل أمل يتلاشى، فالساحرة كانت تمتص طاقة الفرسان.
إلا أن أريانا كانت تقاوم بشدة، إلى أن تمكنت من العزف، ومع كل نغمة كانت تُعزف كانت الظلال تضعف، وشعرت أريانا بأن هناك طاقة هائلة تنبعث من أعماقها، قوة تفجرت فجأة، كأنها قادرة على تغيير مسار الجميع.
أمسكت أريانا الكمان بقوة، وجعلت الأنغام تتصاعد وتتفجر في المكان، حتى أصبح الصوت كالعاصفة، لم يكن مجرد عزف بل كان تحكمًا قويًا في كل ما حولهم، السماء نفسها بدأت تهتز.
“ليس بعد الآن أيتها الساحرة مينمارا” همست أريانا بصوت غامض قوي.
لكن الساحرة كانت قوية، وأطلقت آخر تعويذة لتدميرهم جميعًا، بحسبهم داخل زجاج الوهم، وبينما كانت القوى تتصادم في الهواء شعرت أريانا بأن شيئًا عميقًا في روحها قد تم تحريكه، أو ربما تحريره، لينبثق من كمانها لهيب أحمر أحرق الساحرة والتهم كل شيء من أجل نصرة الخير، ففُكت قيود إليانورا، وسقطت أريانا مغشيًا عليها.
حملها ديمتري بسرعة، وكان يحاول فهم التحول الذي شهدته أريانا.
كان الجميع في حالة ذهول، مندهشين من التحول الذي شهدته أريانا، لم يكن في قوتها فقط بل في طريقة تفاعلها مع قوى الزمن (السارون).
بدا الأمر كأنها أصبحت مفتاحًا لقوة غير مفهومة، شيء أعظم من أي شيء قد شاهده أحدهم من قبل.
بينما كانت أريانا فاقدة الوعي بين ذراعي ديمتري، شعر الجميع بتغير عميق، وكأن الزمن نفسه قد تم تحريكه، كان هذا هو الفجر الجديد الذي سيغير مصيرهم جميعًا، لكن لم يكن أحد يعلم ماذا يعني هذا التحول أو إلى أين سيقودهم.
كانوا قد نجحوا في إنقاذ إليانورا وتمكنوا من العودة إلى جوارتشا قبل أن تشعر الكوليبس بهم (مخلوقات لا آدمية تشبه البراسيوناكم لكنها أكثر وحشية وخطورة).
نسخ التعليمات البرمجية
بعد أن عاد الفرسان إلى جوارتشا، ذلك الحصن المهيب الذي يجمع بين عراقة الماضي وقوة الحاضر، كان الجميع في حالة من القلق، أريانا كانت ما تزال فاقدة للوعي، وكان ديمتري يراقبها بجمود في غرفتها، ورغم بروده إلا أنه لم يستطع منع نفسه من الشعور بقلق عميق، بدا وكأنه يحاول فهم الفتاة الفاقدة للوعي أمامه.
عند غروب اليوم الثاني وصلت عربة غريبة إلى قلعة جوارتشا، نزل منها رجل مسن ذو لحية رمادية وعينان حادتان وكأنهما تخترقان الأرواح، كان كارتر حكيم الأساطير والمطلع على الأسرار القديمة، جاءت معه أربع جنيات صغيرات الحجم، لكن طاقتهن أشبه بالنجوم.
وقف كارتر في بهو القلعة، والتف الجميع حوله متسائلين عن هذا الغريب، في ذاك الحين نزلت أريانا التي استيقظت قبل نصف ساعة لتتفاجأ: “كارتر”.
نظر للجميع وقال: “أريانا ليست مجرد فتاة عادية، ما حدث معها ليس صدفة، هي حاملة المعزوفة الأخيرة، السيمفونية التي ستعيد التوازن بين النور والظلام، لكن قوتها تحتاج إلى تدريب وتهذيب”.
آيريس: “ولكن من أنت؟”
كارتر: “أنا حارس الزمن، دعونا لا نضيع الوقت”، وأشار إلى الجنيات مقدمًا إياهن الواحدة تلو الأخرى.
هيرا: جنية مبدعة ذات شعر أزرق كأعماق المحيط وعينين فضيتين، متخصصة في التدريب العقلي والتركيز.
فيرونيكا: جنية شرسة ذات جناحين يشبهان اللهب وشعر أحمر، مدربة على القتال الجسدي.
ماريس: الجنية الحالمة، ذات صوت ساحر وشعر أبيض كالثلج، تعلم التحكم بالموسيقى لخلق طاقة شفائية.
تاليس: الجنية الغامضة، ذات عيون سوداء وجناحين شفافين، خبيرة في التحكم بالزمن والوعي.
كارتر: “أريانا، ستقضين عشرة أيام رفقة الجنيات للتدريب”.
قضت أريانا أول يومين رفقة ليرا، جلست أريانا وسط دائرة من الرموز الغريبة محاولة تصفية ذهنها، وكانت ليرا تطلب منها أن تتحكم في تدفق أفكارها وأن تركز على رؤية المستقبل من خلال نغمات الموسيقى.
“ركزي أريانا، فكل نغمة تحمل سرًا، افتحي عقلك للألحان ودعيها تقودك”.
استغرقت أريانا ساعات طويلة محاولة تصفية ذهنها، وغالبًا ما كانت تفشل، لكنها شعرت بشيء يتغير في داخلها.
اليوم الثالث والرابع تعلمت القتال الجسدي مع فينكا، حيث تعلمت كيفية إطلاق موجات صوتية قاتلة واستخدام الكمان لصد الهجمات.
وبالنسبة لليومين الخامس والسادس فقد قضتهما برفقة ماريس، حيث جلست أريانا في غرفة مظلمة تعزف ألحانًا على الكمان، علمتها ماريس كيف تحول الموسيقى إلى طاقة شفائية، وكيف تعيد النور إلى الجروح الجسدية، وفي إحدى الجلسات استطاعت أريانا علاج جروح سطحية على ذراع فلورا التي أصرت على تجربة التدريب معها.
تم قضاء اليوم السابع والثامن في تعلم التحكم بالزمن مع تاليس، وكان هذا الجزء هو الأصعب، فطلبت منها تاليس أن تعيد لحظة واحدة إلى الوراء باستخدام عزفها، وكانت أريانا تفشل مرارًا، ولكن في نهاية اليوم الثامن استطاعت أن توقف ساعة في القاعة لمدة ثوانٍ معدودة.
اليومين الأخيرين تدربت على المزج بين جميع المهارات التي تعلمتها، كانت تجري محاكاة معركة مع الجنيات، مستخدمة الموسيقى كدرع وسلاح في آن.
رغم بروده المعتاد، كان ديمتري يراقب تدريبات أريانا من بعيد، في إحدى الليالي، وبينما كانت أريانا تحاول عزف لحن جديد بمفردها، اقترب منها قائلًا: “أنتِ لا تحتاجين إلى الكمال، يكفي أن تكوني واثقة”.
نظرت إليه بدهشة وقالت: “منذ متى أصبحت تهتم؟”
رد ببرود: “لا تسيئي الفهم، أنا فقط أكره الضعفاء”.
أدار وجهه سريعًا محاولًا إخفاء ابتسامة خفيفة.
بينما كان الجميع في القلعة، حاول نيكولاي مغازلة إحدى الجنيات، لينتهي الأمر بتعويذة جعلت شعره يتحول إلى اللون الوردي ليوم كامل.
![]()
