...
IMG 20260316 WA0010

 

الكاتبة عليا عجيزة

 

ليس العيدُ مجرد دورةٍ في تقويمٍ زمني، أو انعطافةٍ موسميةٍ في روتين الحياة المعتاد؛ العيدُ حالةٌ شعوريةٌ تتلبس الروح، وتُعيد ترتيب فوضى الأيام في دواخلنا. هو تلك اللحظةُ التي نخلعُ فيها أثقال العام عن كواهلنا، لنرتدي رداء السكينة، ونغسلَ بالبهجةِ ما علق بالنفوس من غبارِ التعب.

حين نبدأُ طقوس العيد، نحن لا نُمارس مجرد عاداتٍ متوارثة، بل نُحيي فينا طفلاً كان قد غادرنا صخبًا ووقارًا.

إن رائحة الكعك المنبعثة من بيوتنا، وتلك النقوش الدقيقة على صواني الحلوى التي تعكسُ براعة الأيدي المحبة، ليست إلا تجسيدًا ماديًا لرسائل غير منطوقة؛ رسائل تقول: “نحن هنا، ما زلنا نحب، ما زلنا نؤمن بأن الحياة جميلة رغم كل شيء”.

كل قطعة حلوى نُقدمها، وكل فنجان قهوة يُصب بابتسامة، هو جسرٌ من المودة يمتدُّ ليمحو مسافات الجفاء التي خلفتها انشغالاتنا المرهقة.

إن روح العيد تسكن في التفاصيل البسيطة؛ في اجتماع العائلة حول مائدةٍ واحدة، في تبادل الأحاديث التي لا تنتهي، وفي تلك الضحكات الصادقة التي تخترق جدران الهموم.

في العيد، تتوارى الخلافات الصغيرة، وتذوبُ حدةُ العتاب، لنفسح المجالَ للحبِّ أن يتنفس.

إنه فرصةٌ إلهيةٌ لنُعيد اكتشاف مَن نحب، ولننظر في أعينهم باحثين عن بريقِ الطمأنينة، مُدركين أن أغلى ما نملك ليس ما في جيوبنا، بل هؤلاء الذين يشاركوننا تفاصيلنا، ويملؤون بيوتنا دفئًا.

أما الإيمانُ في العيد، فهو الرحيقُ الذي يُعطّرُ الروح.

هو ذلك الخشوع الذي يسبقُ صلاة العيد، وتلك النظرةُ الواثقةُ برحمة الله التي تملأُ القلوب بعد أيامٍ من الطاعة. إن العيد يُذكرنا بأن الله جميلٌ يحب الجمال، وأن الفرح عبادةٌ، والسرورَ بالنعمة شكرٌ، والتواصلَ صلةٌ يُحبها الخالق.

ليكن عيدنا هذا العام مختلفًا في عمقه؛ لا تنظروا إلى ما هو مادي، بل انظروا إلى ما وراء الأشياء. ليكن عيدكم جسراً لصلةِ رحمٍ كاد يغرق في النسيان، وفرصةً لمسامحةِ نفسٍ أرهقتموها باللوم. العيدُ الحقيقي هو ذلك الذي نخرجُ منه بقلوبٍ أكثر نقاءً، وبأرواحٍ أكثر خفةً، وبإرادةٍ متجددةٍ لنبذر الخير أينما حللنا.

في ختام العيد، تظلُّ البصمة التي نتركها في قلوب الآخرين هي الأبقى. فليكن عيدكم عامرًا بالحب، وليكن حضوركم بلسماً للجراح، وضياءً في عتمةِ الأيام. كل عامٍ والبهجةُ تسكنُ تفاصيل حياتكم، وكل عامٍ وأنتم إلى الله أقرب، وفي قلوبِ أحبابكم أنقى وأبقى. العيدُ ليس لمن لبس الجديد، بل لمن كان في عيده سعيدًا، ولمن كان لغيره مفتاحًا للخيرِ ومغلاقًا للشر.

عيدكم مبارك، وكل لحظةٍ تمرُّ عليكم هي عيدٌ يفيضُ بالسلام.

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *