الكاتب أنور الهاملي
في قرية عالية، جبالها وعرّة، وظروفها متقلبة، وتضاريسها جميلة. مناظرها لوحة فنية بأزهارها وأشكالها. قرية جبلية، لا أسس للعيش فيها سوى راحة البال، مبتعدة عن العالم وسخافته.
في إحدى لياليها وُلِد طفل ليكتب قصة تُذكر عبر التاريخ. كان طفلًا ليس كبقية الأطفال، طويل القامة، بنيّ العينين، شقيًا في طبعه، حتى وقع الحدث ثم صمت.
سأل وضاح إدريس: “ماذا حدث؟”
نظر إدريس إلى وضاح بعينين تحتويان الأسف، وتنهد، وقال بصوت مكسور: “لقد بدأت معاناته في عمره الصغير.”
وضاح بدهشة: “ما الذي حصل لهذا الطفل؟ أليس أنت الذي قلت إنه سيكتب القصة للقرية؟”
إدريس: “نعم، ولكن بعد شرب العناء، أصبحت القصة الآن لها معنى وآثار. أحب القصص التي فيها نجاح ومعاناة.”
قطع إدريس حماس وضاح وقال: “هذا الطفل كان جميلًا جدًا ومدللًا، رغم طبيعة هذه القرية التي لا تقبل الدلال، وكان سريعًا أيضًا في طفولته.”
وفي إحدى الأيام، استبق هو وأحد أصدقائه، وكما تعلم النفس حق، تكلم شخص بلسان حاد وعين شيطان، فتضررت إحدى قدميه، وعُلِق بين الأرض والسماء؛ فلا هو جسدًا يتحرك، ولا لسانه يتكلم، لم يمت، ولم تنطق شقاوته.
حمله أبوه إلى مدينة إب، فخابت خبرة الأطباء، ومفعول الأدوية لم يُجدِ، حتى جاء الدكتور البارع الذي لن ينساه الطفل. بعد ثلاث عمليات بقدم واحدة، عادت روح الطفل إلى جسده، وعادت شقاوته إلى لسانه، ولكن بقيت حركته ثابتة مدة من الزمن.
وضاح: كيف تصرف، وكيف عاش؟
إدريس: “لقد تعافى وعاد كما كان، ولكنه كان يخفي الألم الذي لا يتحمله إنسان طبيعي. كان يتقاسم الليل مع الألم، لقد فتك الألم والتعب به، كان يفيق وينام على الألم. لم يشكُ آلامه، وكان وما زال يتحدث عن سعادته وامتنانه، أما الألم فلم يكن محسوبًا في قاموس حديثه.”
وضاح: “أبوه وأمه لم يلاحظوا شيئًا؟”
إدريس: “معقول؟ نعم، لاحظت أمه في بعض الأحيان، ولكن أبوه استشهد وعمره ست سنوات.”
وضاح باستغراب ودهشة: “ست سنوات؟ كيف تصرف، ومتى تحمل هذا الألم كله؟”
إدريس بابتسامة خفيفة: “دلا دلا عليا، خطوة خطوة. الغريب في القصة أنه حين علم باستشهاد أبيه لم تظهر له أي ردة فعل. لم يصدق أن هذا الحدث وقع له بهذا السن الصغير، وظل يعيش في ظل وعود والده.”
الطفل دخل المدرسة، واجه صعوبات في الصف الأول، وهذا أمر طبيعي، ونجح بدرجة جيدة جدًا. تغيرت هيئته وشكله وأسلوبه في هذا العام، فقد طال شعره، ولم يعد يعود للبيت إلا متأخرًا، ولا يهتم بنفسه.
في الفصل الثاني للصف الثاني الإعدادي، كان هناك أستاذ اسمه صادق، مصاب بضغط الدم، فإذا رأى هذا الطفل يرتفع ضغطه. ليس لشكله أو هيئته، فهو عادي في الريف، ولكن هناك شيء في تربية القرية صدمه.
كان رفاقه يكذبون أقواله، ويشككون بكلامه، فلا له حق الكلام، ولا حرية التعبير. فكان يرجع إلى البيت لافتعال المشاكل، فهو المكان الوحيد الذي يظهر فيه صوته وغضب براءته. كانت أمه تحميه داخل البيت، وأخوته خارجًا، وإذا لم يتواجدوا فتكوا به.
في ذات الصباح، بينما كان الوكيل يتابع عمل المعلمين داخل المدرسة، واجه هذا الطفل أستاذه ليسأله أمام المعلم، فعجز وأحرج المعلم.
وضاح: “يعني أحرجه أمام الوكيل؟”
إدريس: “بالضبط. تعدّى الأستاذ الخط الأحمر، رغم أنه طفل صغير.”
ثاني يوم، كان الطفل جالسًا في آخر الطاولة ينتظر مصيره، فدخل الأستاذ، سحب شعره، ورفعه فوق الطلاب والطاولات حتى وصل به إلى السبورة، وسأله سؤالًا مستحيلًا، فعجز الطفل، فضربه وأهانه. عاش أصعب لحظة في عمره حتى خروجهم الساعة 12 ظهرًا.
فمشى خطوات مثقلة بالهموم والتعب، لقد تعب من الأستاذ، فلا قضية انتقل له مرحبًا، ولا مدرسة تبسط له سجادة حمراء. الأرض كانت له بمثابة جحيم رغم صغر سنه.
أمه أجبرته على الدراسة رغم الحوادث التي أصابته في طفولته. كان نحيل الجسم، رث الهيئة، فلا أمل له إلا الدراسة. حتى وصل إلى اللحظة المصيرية، ذات يوم، بعد إهانة الأستاذ المستمرة، قرر أن يحرق الصفحة، ويواجه الأستاذ وقريته، ويرفع رأس أمه. فذاكر بكثرة، وتجرأ، ورفع يده ليجيب على سؤال المعلم لأول مرة منذ بدايات دراسته، قرأ جملة وتلعثم.
رغم قسوة الأستاذ، كان عادلًا. واجه الطفل النهاية الصادمة، احتل المركز الثالث في الفصل الأول.
بعد ذلك، اشتعلت الحرب في اليمن، وتدهور التعليم، ولكن الطفل استطاع الحفاظ على المركز الثالث، ولم يخرج من دائرة الثلاثة الأوائل حتى اللحظة. سافر مع جدته إلى مأرب، حيث كانت تسكن المقاومة، وكان هناك أخوه بانتظاره، رغم أنه ترك سنتين من دراسته، استطاع أن يواصل.
في محافظة مأرب، الحضارة والتاريخ، إرث الأجداد ودرع الأحفاد. أرض بلقيس وسبأ، حيث يوجد أعظم عرش، سد مأرب، ومزارع البرتقال بلونها الخلاب، وطعمها الساحر، وطولها الفارع، وصحاريها الممتدة التي تشفي الصدر العليل. التحق بالجيش بعمر 16 سنة، ودخل المدرسة بالصف الثامن، يداوم في المدرسة والمعسكر.
لم يكن هناك معلم جلاد، طبعه حاد، بل جمعت الصدفة بوالدته الثانية، أمه المعنوية، التي أعادت شغفه، تابعت واجبه، صححت مسالكه، وأحكمت كلمته، ووثقت عزمه.
المعلمة الأستاذة سحر عبد العزيز مرجان، حنونة في طباعها، جميلة في شكلها، صارمة فيما يجب، كلمتها تعيد التوازن، وخطواتها تلفت الانتباه. حصل على المركز الأول للصف الثامن، وكان من عشاق اللغة العربية، وخاصة التعبير الذي كانت تدرسه ألام.
المعلمة الأستاذة علاء المطري، فصيحة لسانها وصريحة معانيها، لم تفرق بين طلابها وأبنائها، سرعان ما تراجع الطفل عن مستواه، لكن هذه المرة كان السبب من يحبه لدرجة أنه أحب التراجع.
التقى بمعلمته التي لم تكن بالحسبان، لا زمنها ولا مكانها ولا واقعها، ولم تكن ضمن الأحلام.
إدريس: “أين التقى به؟”
وضاح: “في مجموعة أدبية، لاحظت وقع كلماته، وصدى حروفه، واشتعال موهبته.”
الكاتبة السورية سناء الحنيطي قامت بتدريبه على ترتيب جدول للقراءة والكتابة، لكل يوم يكتب فصلًا روائيًا، رغم تعثره ورداءة ما كتب، لكنها صقلت موهبته، وأظهرت ما أخباه الزمن تدريجيًا، فتحدى وشارك، فاز وخسر، أخذ ألقابًا، كتب ونشر بأسماء مجهولة وأقلام حرة.
كلما اشتدت عليه الظروف، كتب أكثر. وكلما أسعدته الدنيا، كتب أكثر. فكانت الكتابة ملجأه الوحيد، شعوره ومشاعره ما زالت على الأوراق. درس الحاسوب، والإدارة، والتصميم، والتفكير الناقد، ودرس كل ما يخطر بباله ليصل ما يريد، رغم صغر سنه.
كان في عزلته معجزة، فنانًا في عمله، شاعرًا في كلامه، حساسًا في طبعه، كلماته تزهر على الحجر، وعقله يحرك الساكن. لكنه له عيب واحد، لا يحن، لأنه مقتنع: “لو كان خيرًا، لو كان فيه خير، لبقاء.”
وضاح: “أنا أعرف عن من تتكلم.”
إدريس: “أتحداك.”
وضاح: “عن خالي إدريس؟”
إدريس: “نعم، إنه هو 101.”
وضاح: “إحدى المرات قال لي خالي 101: إن لم توصل ولم تستطع أن تتغير، يكفيك شرف المحاولة.”
![]()
