...
IMG 20260422 WA0082

 

الكاتبة عاليا عجيزة

 

في عام ١٩٧٠، كان هذا قبل أحداثنا، حيث استيقظت البلدة بضواحيها على هرج ومرج نتيجة حدوث واقعة وفاة أحد السكان المقيمين.

في إحدى المنازل يرتفع صوت المذياع بصوت القرآن الكريم، يجلس حشد ضخم من أهل البلد يلتفحون السواد، في الزاوية مجموعة من النسوة يبكين، يزرفن الدموع مع دعائهن للمتوفاة بالرحمة والمغفرة.

إحدى النسوة تتلفت بنظرها، حيث مدخل البيت ترى سيدة أنيقة تدلف للداخل، تمر كي تلقى التحية على من تلقاهم حتى تصل لهم، تقدم التعزية ثم تمكث بجانبهم لبعض الوقت، إلى أن ينتهي القرآن، فتنصرف أمام نظر الجميع، وتنقضي فترة الحداد ثلاث أيام.

في تلك الليلة من خريف عام 1970، لم يكن “حي المعادي” الهادئ يعلم أن الهدوء الذي يلف فيلاته العريقة سيتحول إلى جرح غائر. استيقظ السكان على وقع رحيل “ليلى هانم”، تلك السيدة التي كانت أيقونة للرقي والجمال.

في فيلا “آل الجارحي”، كان صوت المذياع ينساب بآيات الذكر الحكيم بصوت الشيخ الحصري، ليضفي سكينة مؤقتة على حشد الضيوف الذين اتشحوا بالسواد.

وسط رائحة البخور الممزوجة بعطر “شانيل” الفواح من السيدات، جلست النسوة يذرفن دموعًا صامتة تليق بهيبة المكان. وفجأة، ساد صمت أعمق حين دلفت من الباب سيدة لم يسبق لأحد رؤيتها؛ كانت ترتدي طقمًا أسود من الشيفون الراقي، وتضع على رأسها قبعة صغيرة ببرقع يخفي نصف وجهها، لكن ما خطف الأنفاس حقًا كان ذلك العقد الذي يطوق جيدها.

كان عقدًا ذهبيًا من طراز نادر، تتدلى منه أصداف بحرية لامعة كأنها قشر لؤلؤ مكنون، يتوسطها خرز فيروزي بلون مياه البحر الميتة. قدمت السيدة العزاء بكلمات منتقاة وبنبرة رخيمة، ثم انصرفت بهدوء تاركة خلفها تساؤلات وهمسات لم تنقطع طوال فترة الحداد.

بعد انقضاء الأيام الثلاثة، عادت تلك الغريبة لزيارة ابنة المتوفاة، “نادية”، بحجة تسليمها أمانة كانت تخص والدتها. دخلت الغرفة بوقار وقدمت لها علبة مخملية، وحين فتحتها نادية، وجدت العقد نفسه. قالت الغريبة بابتسامة غامضة: “هذا العقد يورث من سيدة راقية إلى أخرى.. والدتك كانت تعشقه، والآن جاء دورك”.

لم تكن نادية تعلم أن تاريخ هذا العقد يعود لأسرة منبوذة من تجار اللؤلؤ في البحر الأحمر، صاغه ساحر كعقوبة لامرأة خانت العهد. الذهب ليس معدنًا، بل هو “نحاس ملعون” قُطر عليه من دماء ضحايا سابقين، والأصداف ليست إلا سجونًا صغيرة للأرواح التي سكنتها قبلها.

بدأت اللعنة بطابع مصري خالص؛ “كوابيس” تطارد نادية في منامها، ترى فيها نفسها غارقة في مياه النيل الصافية التي تتحول فجأة إلى ملح أجاج. بدأت رائحة “الزفارة” الكريهة تفوح من العقد مهما حاولت تعطيره بمسك “عبد الصمد القرشي”. وفي إحدى الليالي، بينما كانت تنظر في المرآة لتعديل العقد، رأت خلفها خيال “ليلى هانم” المتوفاة، لكن وجهها كان شاحبًا، وعيناها تحولتا إلى خرزتين فيروزيتين صامتتين.

فتحت ليلى هانم فمها لتتحدث، لكن لم يخرج صوت بشر، بل خرج صوت “خرير مياه” متدفق، وحفيف أصداف تصطدم ببعضها البعض. ارتجفت نادية وحاولت نزع العقد، لكن الحلقات الذهبية ضاقت حول عنقها بقوة هائلة، وكأن أصابع غير مرئية تخنقها.

كلما زادت مقاومتها، زاد توهج الفيروز، وبدأت الأصداف “تنمو” وتلتصق بجلدها، كأن العقد يمتص حياتها ليصقل جماله من جديد.

في الصباح، دخلت الخادمة لتجد الغرفة جافة تمامًا، لكن “نادية” كانت جثة هامدة بملامح شمعية، وعلى عنقها آثار أملاح بيضاء كثيفة.. أما العقد، فقد اختفى من فوق جسدها، ليظهر في مساء اليوم نفسه في واجهة أحد محلات “الصاغة” العريقة بالحسين، ينتظر “سيدة راقية” أخرى تبحث عن قطعة فريدة تليق بجمالها الموعود.

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *