كتبت: المحبة لله
ليست كل المعارك تخاض أمام الناس، فهناك حروب صامتة تدور داخل الإنسان، لا يسمع صداها أحد؛ لكنها تترك في روحه من الإرهاق ما يفوق ضجيج العالم بأسره. قد تبدو ملامحه هادئة، بينما يعج عقله بعشرات الأسئلة، ويقف قلبه بين الخوف والرغبة في النجاة.
لطالما وجدت نفسي عالقة داخل فجوة من التفكير، كلما حاولت الخروج منها جذبتني إلى أعماقها مرة أخرى؛ كانت الأفكار تتزاحم في رأسي بلا رحمة، حتى أصبح الصداع رفيقًا لا يغادرني، وكأن عقلي يحمل ما يفوق طاقته على الاحتمال.
كنت أبحث عن نافذة أتنفس منها، عن شيء يخفف هذا الثقل الذي لا يراه أحد؛ كنت أرغب في الحديث، لكن الكلمات كانت تتجمد قبل أن تغادر شفتي. لم يكن الصمت اختياري، بل كان نتيجة خوف تراكم مع الأيام.
في كل مرة حاولت أن أعبر عما بداخلي، وجدت كلمات قاسية تستقبلني، حتى أصبحت أخشى أن يكون التعبير عن مشاعري ذنبًا يستحق العقاب.
ومع مرور الوقت أدركت أن الخوف لا يكبر إلا كلما استسلمنا له، وأن الهروب لا يصنع حلولًا، بل يمنح مخاوفنا مساحة أوسع لتسيطر علينا؛ وبينما كنت أبحث عن مخرج، وقعت عيناي على قلمي، وكأنه يمد يده نحوي دون أن ينطق بكلمة.
منذ تلك اللحظة لم يعد القلم مجرد أداة للكتابة، بل أصبح صديقًا يصغي إليّ دون أن يقاطعني، ويحتفظ بأسراري دون أن يدينني.
كنت أكتب كل ما أعجز عن قوله، وأفرغ على الورق ما أثقل صدري، حتى بدأت أشعر أن الكلمات تنتزع شيئًا من خوفي مع كل سطر أكتبه.
شيئًا فشيئًا لم تعد المواجهة مستحيلة كما كنت أتصور. صحيح أن الخوف لم يختفِ تمامًا، لكنه لم يعد قادرًا على تقييد خطواتي كما كان من قبل.
أصبحت أكثر قدرة على مواجهة الآخرين، وأكثر شجاعة في التعبير عن نفسي؛ لأنني تعلمت أولاً كيف أواجه ذاتي.
حينها فقط فهمت أن بعض المعالجين لا يرتدون المعاطف البيضاء، بل قد يكونون قلمًا، أو صفحة بيضاء أو كلمة صادقة تخرج من القلب فتداوي صاحبها قبل أن تصل إلى غيره.
لقد علمني القلم أن الهروب لا يصنع النجاة، وأن مواجهة الألم هي بداية التعافي، وأن الإنسان حين يمنح مشاعره حقها في التعبير، يخفف عن روحه كثيرًا من الأعباء التي كانت تثقلها.
ولذلك، إن سألني أحد يومًا: من أنقذك من متاهة أفكارك؟
فلن أذكر اسم شخص، ولن أحكي عن معجزة حدثت في حياتي، بل سأشير إلى قلمي وأقول بثقة: هذا الصديق الصامت هو أول من علمني أن للكلمات قدرة على إنقاذ أصحابها، وأن الكتابة ليست مجرد حروف، بل نجاة لمن ضاقت بهم الطرق.
![]()
