الكاتبه هالة الشيخ
الكتابة ليست مهارةً في ترتيب الكلمات، بل جرأةٌ على العبور نحو المناطق التي لا يرغب أحد في زيارتها.
إلى الجرح لا بوصفه ألمًا، بل بوصفه بابًا. إلى ما هو شخصيٌّ إلى حدٍّ يبدو معه البوح مستحيلًا.
إلى تلك الطبقات العميقة التي نقضي أعمارنا نغطيها بالانشغال والحديث والابتسام العابر.
فالإنسان لا يخاف من العالم بقدر ما يخاف من بعض ما يسكنه.
يخاف أن يقترب كثيرًا من خساراته، ومن أحلامه المؤجلة، ومن الأسئلة التي لم يجد لها جوابًا.
لذلك يمرُّ معظمنا بجوار نفسه كما يمرُّ الغريب بجوار بيتٍ مغلق.
أما الكتابة، فهي أن تتوقف أمام ذلك الباب.
أن تطرقه.
ثم تمتلك الشجاعة للدخول.
هناك،
حيث لا توجد الأفكار الجاهزة،
ولا العبارات المستعارة،
ولا الأقنعة التي اعتدنا ارتداءها.
هناك فقط تبدأ اللغة في التخلّص من زينتها، وتقترب من حقيقتها..
ولهذا تبدو الكتابة الصادقة مؤلمة أحيانًا ..
لأنها لا تستخرج الكلمات من الذاكرة،
بل تستخرج المعنى من أعماق الروح.
كأن الكاتب يغوص في بئرٍ داخله،
وكلما عاد إلى السطح حمل في يديه شيئًا من ذاته لم يكن يعرف أنه موجود ..
وربما لهذا السبب تبقى بعض النصوص حيّةً لسنوات ..
لأنها لم تُكتب بالحبر وحده، بل كُتبت بتلك الشجاعة النادرة التي تجعل الإنسان ينظر إلى أكثر بقاعه خفاءً، ثم يحوّل ما وجده هناك إلى نور
لا نكتب لنحصد الإعجابات، ولا لننال رضا أحد، ولا لأن الشهرة غايتنا.
نكتب عشقًا للكتابة لأنها ليست هوايةً نختارها،
بل قدرٌ اختارنا.
![]()
