الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
لم تكن تعرف أن آخر مرة قالت فيها له تصبح على خير
كانت آخر ليلة تنام فيها وهي تظن أن الرجل الذي تحبه سيكون بجانبها في الصباح
كانت تظن أن الأيام القادمة ستشبه الأيام الماضية
أن تستيقظ فتجده بجوارها
تسمع صوته
تشرب معه قهوتها
تختلف معه على أشياء صغيرة
ثم تضحك
وتعود إليه
كانت تظن أن الحب الذي عاشته معه يمكن أن يستمر إلى آخر العمر
لكنها لم تكن تعرف أن هناك شيئًا كان يحدث خلف ابتسامته منذ أشهر
شيئًا كان يخفيه عنها بكل قوته
شيئًا كان يكبر داخله كل يوم
حتى أصبح أقوى من قدرته على إخفائه
كان اسمه آدم
وكانت اسمها ليان
لم تكن قصتهما من تلك القصص التي تبدأ بحب من أول نظرة
بل بدأت بصداقة هادئة
ثم تحولت مع الوقت إلى شيء أعمق
كان آدم يعمل في شركة صغيرة
وكانت ليان تعمل في مكان قريب منها
وكانا يلتقيان بالصدفة كثيرًا
في الطريق
في المقهى
وأحيانًا في المكتبة الصغيرة الموجودة بالقرب من مكان عملهما
في البداية
لم يكن بينهما شيء سوى السلام والسؤال عن الحال
ثم أصبح الحديث أطول
ثم أصبح اللقاء مقصودًا بدل أن يكون صدفة
ثم أصبح كل واحد منهما ينتظر الآخر
كان آدم يحب فيها هدوءها
وكان يحب الطريقة التي تستمع بها إليه
لم تكن تحاول أن تغيره
ولا كانت تضحك على أحلامه
كانت دائمًا تقول له
أنا بحب فيك إنك بتفكر في كل حاجة كأنها ممكن تتحقق
وكان يضحك ويقول
وأنا بحب فيكي إنك بتخليني أصدقها
مرت الشهور
وأصبح الحب واضحًا بينهما
حتى جاء اليوم الذي جلس فيه آدم أمام والدها
وقال له بكل احترام
أنا مش هقدر أوعدك إن بنتك هتعيش معايا حياة من غير مشاكل
لكن أوعدك إني كل يوم هحاول أخليها تحس إنها اختارت الشخص الصح
كان والدها رجلًا هادئًا
نظر إليه طويلًا
ثم قال
أنا مش عايز منك تكون كامل
عايزك تكون صادق معاها
قال آدم
هكون
وبعد فترة
تزوجا
كانت بداية زواجهما بسيطة
بيت صغير
أثاث بسيط
وأحلام كثيرة
كانا يشتريان الأشياء معًا
ويختلفان على لون الستائر
ويتشاجران على من سيغسل الأطباق
ثم يضحكان بعد دقائق
كانت ليان تقول له أحيانًا
إحنا بنتخانق على حاجات تافهة أوي
فيقول
علشان إحنا مرتاحين لبعض
وكانت تلك الراحة هي أجمل شيء في علاقتهما
لم يكن آدم يحب المفاجآت الكبيرة
كان يحب التفاصيل
كان يترك لها ورقة صغيرة بجانب كوب القهوة
أحيانًا يكتب فيها
صباحك أنا
وأحيانًا
متنسيش تبتسمي النهارده
وكانت ليان تحتفظ بكل الأوراق في صندوق خشبي صغير
وفي إحدى الليالي
سألها آدم
ليه محتفظة بكل الورق ده
قالت
علشان يوم ما تكبر وننسى حاجات كتير
أرجع أقرأهم وأفتكر إنك كنت بتحبني
ضحك وقال
أنا لو كبرت معاكي
هفضل أحبك
قالت
وعد
قال
وعد
ولم يكن يعرف أن هذا الوعد سيصبح أثقل وعد في حياته
بعد سنوات قليلة
بدأ آدم يشعر بالتعب
في البداية كان الأمر بسيطًا
إرهاق
صداع
فقدان شهية
ثم أصبح يشعر بألم متكرر
كانت ليان تقول له
روح اكشف
وكان يرد
هروح
ثم يؤجل
حتى جاء يوم شعر فيه بألم شديد أثناء وجوده في العمل
ذهب إلى الطبيب
أجرى الفحوصات
ثم طلب منه الطبيب إجراء فحوصات أخرى
لم يكن آدم خائفًا في البداية
كان يظن أن الأمر بسيط
حتى جلس أمام الطبيب في غرفة هادئة
وكان الطبيب ينظر إلى الأوراق أمامه دون أن يتكلم
قال آدم
في إيه
رفع الطبيب عينيه إليه
وقال
لازم نتكلم بهدوء
شعر آدم بشيء يسقط داخله
قال الطبيب
الفحوصات بتشير إلى وجود مرض خطير
وإن الحالة محتاجة علاج سريع
سأل آدم
يعني هخف
سكت الطبيب للحظات
ثم قال
إحنا هنحاول
كانت تلك الكلمة كافية
لم يسأل آدم أكثر
خرج من المستشفى
جلس داخل سيارته
وأغلق الباب
ظل صامتًا
ثم أخرج هاتفه
وجد صورة له مع ليان
كانت تضحك فيها
نظر إلى الصورة طويلًا
وقال بصوت منخفض
أنا مش هقدر أكسرها
ومنذ ذلك اليوم
بدأت معركة صامتة
لم يخبرها
كان يذهب إلى المستشفى دون أن تعرف
يخفي الأدوية
ويغير مواعيد العمل
ويعود إلى المنزل مبتسمًا
كانت تسأله
مالك
فيقول
مفيش
كانت تلاحظ تغيره
لكنها لم تكن تعرف السبب
في إحدى الليالي
كان جالسًا وحده في المطبخ
دخلت ليان فجأة
وجدته ينظر إلى الدواء في يده
قالت
إيه ده
تجمد آدم
ثم وضع الدواء بعيدًا
وقال
دواء للمعدة
اقتربت منه
وقالت
إنت كويس
قال
كويس
ثم احتضنها
احتضنها بقوة أكبر من المعتاد
سألته
إنت مالك
قال
وحشتيني
ضحكت
وقالت
أنا قدامك
قال
عارف
لكنه كان يعرف أن هناك يومًا سيأتي
ولا يستطيع فيه أن يقول هذه الجملة
مرت الأشهر
بدأ المرض يزداد
ضعف جسده
فقد وزنه
وأصبح التعب يظهر على وجهه
وكانت ليان تقول له
أنت اتغيرت
فيقول
الشغل
كانت تصدقه
لأنها تحبه
وكان هو يتألم لأنه يخدعها
لكن كان يرى أن خداعها أفضل من أن يراها تنهار أمامه
في إحدى الليالي
جلس معها على الشرفة
كانت السماء هادئة
قال لها
لو في يوم حصل حاجة
قاطعته
متقولش الكلام ده
ابتسم
وقال
أنا بس بسأل
قالت
مفيش حاجة هتحصل
قال
وعديني
قالت
أوعدك بإيه
قال
إنك تفضلي قوية مهما حصل
ضحكت
وقالت
إنت بتتكلم كأنك رايح حرب
قال
يمكن
قالت
محدش بيضمن المستقبل
قال
عشان كده أنا عايزك تفضلي قوية
لم تفهم كلامه
لكنها شعرت بالخوف
اقتربت منه
وقالت
إنت مخبي عني حاجة
نظر إليها
ثم ابتسم
وقال
لو في حاجة مهمة هقولك
ولم يقل
بعد عدة أشهر
أصبح آدم غير قادر على إخفاء الأمر
دخل المستشفى أكثر من مرة
وفي إحدى المرات
قال له الطبيب
لازم تستعد
كانت الجملة أقسى من المرض نفسه
عاد إلى البيت
دخل غرفة النوم
وجد ليان نائمة
جلس بجانبها
ظل ينظر إليها طويلًا
مرر يده على شعرها
ثم انحنى وقبل جبينها
فتحت عينيها
وقالت
إنت صاحي ليه
قال
كنت ببص عليكي
قالت
ليه
قال
علشان أحفظك
ضحكت وهي نصف نائمة
وقالت
هو أنا ههرب
قال
لا
ثم أضاف بصوت منخفض
بس أنا اللي ممكن أهرب
لم تسمعه
نامت مرة أخرى
أما هو
فجلس طوال الليل
وبدأ يكتب
لم يكن يعرف كيف يبدأ
كتب صفحة
ثم مزقها
كتب ثانية
ثم مزقها
حتى بدأ يكتب من قلبه
كتب
ليان
لو إنتي بتقري الرسالة دي
فأنا غالبًا مش موجود جنبك دلوقتي
وأنا عارف إن أول حاجة هتسألي عنها
ليه
ليه خبيت عليكي
وليه سبتك تعيشي الشهور دي كلها وإنتي فاكرة إن كل حاجة بخير
والحقيقة
إني كنت خايف
مش من المرض
كنت خايف من عينيكي لما تعرفي
كنت خايف أشوف الخوف فيهم
وأنا السبب فيه
كنت خايف كل يوم أصحى ألاقيكي بتبصيلي كأنك مستنية مني أموت
وأنا كنت عايز كل يوم أشوفك بتبصيلي كأنني لسه عندي عمر طويل
سامحيني
أنا عارف إن اللي عملته ممكن يوجعك
وعارف إنك ممكن تقولي إن كان من حقك تعرفي
وإنتي عندك حق
لكن أنا كنت أناني في حاجة واحدة
كنت عايز أعيش معاك الأيام اللي فاضلة
مش الأيام اللي فيها المرض
كنت عايز أكون آدم اللي بتحبيه
مش آدم المريض
كنت عايز آخر ذكرياتك معايا تكون ضحك
مش مستشفيات وأدوية ودموع
ولو أنا غلطت
فأنا غلطت لأنني أحببتك أكثر من قدرتي على احتمال وجعك
توقف آدم عن الكتابة
بكى
ثم أكمل
ليان
أنا مش عايزك تعيشي بعدي مكسورة
ولا عايزك تحسي إن حياتك انتهت لما حياتي انتهت
عايزك تكملي
تشتغلي
وتضحكي
وتسافري
وتعيشي
وتحققي كل حاجة كنا بنحلم بيها
وفي حاجة واحدة نفسي منك فيها
ما تخليش غيابي يخليكي تكرهي الحياة
ولو ربنا كتب لي النهاية
افتكري إن النهاية مش نهاية الحب
أنا هفضل أحبك
وأتمنى من ربنا يجمعنا في الجنة
لكن ما أقدرش أفرض عليك إنك ما تتجوزيش بعدي
لأنني أحبك
والحب مش سجن
لو في يوم لقيتي شخصًا يحترمك ويخاف ربنا فيكي ويقدر يسعدك
فلا ترفضي الحياة بسببي
ولو اخترتي تفضلي وحدك
فليكن اختيارك لأنك مرتاحة
مش لأنك عايشة في ذنب أو وفاء يؤلمك
أنا عايزك تكوني سعيدة
دي آخر أمنيتي
ثم كتب
ولو سألتيني كنت أتمنى إيه قبل ما أموت
هقولك
كنت أتمنى أصحى الصبح
وأسمع صوتك
وأقولك صباح الخير
وتردي عليا
وتكملي يومك
وأفضل أنا موجود
بس يمكن ربنا كتب لي حاجة تانية
فأنا راضي
وخلي آخر حاجة أقولها لك
إن أجمل حاجة حصلت لي في الدنيا
كانت إنتي
أغلق الرسالة
ووضعها في ظرف
وكتب عليه
إلى ليان
افتحيها عندما أرحل
ثم أخفاها في المكان الذي كانت تضع فيه أوراقه القديمة
الصندوق الخشبي
بعد أيام قليلة
ازدادت حالته سوءًا
وفي صباح هادئ
استيقظت ليان
ولم تسمع صوته
نادته
لم يرد
دخلت الغرفة
وجدته مستلقيًا
اقتربت منه
قالت
آدم
لم يرد
هزته
ثم بدأت تصرخ
جاء الأطباء
لكنهم لم يستطيعوا فعل شيء
جلسَت ليان بجانبه
وهي لا تصدق
كانت تمسك يده
وتقول
إنت وعدتني
إنت وعدتني إنك هتفضل
لكن آدم كان قد رحل
رحل دون أن يخبرها
رحل بالطريقة التي كان يخاف منها
وتركت كلماته وحدها
بعد أيام من وفاته
دخلت ليان غرفته
كانت تبحث عن شيء يخصه
فتحت الصندوق الخشبي
وجدت الأوراق القديمة
ثم وجدت الظرف
كان اسمها عليه
فتحت الرسالة
وبدأت تقرأ
كل سطر كان يقتلها مرة
وكل كلمة كانت تجعلها تفهم سبب ابتسامته
فهمت لماذا كان يحتضنها طويلًا
ولماذا كان ينظر إليها أثناء نومها
ولماذا كان يسألها دائمًا أن تكون قوية
وفهمت أخيرًا
أن كل لحظة عاشتها معه في الأشهر الأخيرة
كانت لحظة كان يمكن أن يعيشها وهو يتألم
لكنه اختار أن يجعلها جميلة
بكت حتى لم يعد لديها صوت
ثم ضمت الرسالة إلى صدرها
وقالت
كنت عارف إني هسامحك
لكن كنت عارف إني مش هقدر أنساك
مرت الشهور
ثم السنوات
وظلت ليان تعيش
كما طلب منها
لم تتوقف عن العمل
لم تتوقف عن الخروج
لم تتوقف عن زيارة أهله
وكانت كلما شعرت بالحزن
تعود إلى الرسالة
وتقرأها
وفي إحدى الليالي
جلست وحدها أمام النافذة
وضعت الرسالة بجانبها
ثم قالت
أنا عشت زي ما طلبت
ضحكت
وبكيت
وحققت حاجات كتير
بس في حاجة واحدة ما قدرتش أعملها
لم تستطع أن تمنع قلبها من الاشتياق
وضعت يدها على صدرها
وقالت
لسه بحبك
ثم ابتسمت
وأضافت
بس أنا مش هزعل من الدنيا
لأنك طلبت مني أعيش
وفي تلك الليلة
نامت ليان وهي تحمل الرسالة
وحلمت بآدم
كان يقف في مكان واسع مليء بالنور
ينظر إليها ويبتسم
قال لها
أنا قلت لك تعيشي
قالت
وعشت
قال
إذن أنا مبسوط
قالت
وحشتني
ابتسم
وقال
لسه
استيقظت
وكانت دموعها على وجهها
لكنها لم تكن دموع انهيار
كانت دموع اشتياق
ومنذ ذلك اليوم
لم تعد ليان تنظر إلى رحيل آدم باعتباره النهاية
بل باعتباره آخر فصل في قصة جميلة
قصة لم تكن طويلة بما يكفي
لكنها كانت عميقة بما يكفي لتعيش داخل قلبها إلى الأبد
احتفظت بالرسالة في صندوقها
وكلما سألها أحد عن الحب
كانت تقول
الحب الحقيقي مش هو إن الشخص يفضل معاك للأبد
الحب الحقيقي إن الشخص حتى وهو راحل
يفكر إزاي يخليك تكمل من بعده
ثم تبتسم
وتقول
آدم علمني إن الحب مش امتلاك
الحب إنك تتمنى للشخص اللي بتحبه الخير
حتى لو الخير ده هيكون في حياة من غيرك
وفي آخر صفحة من الرسالة
كانت هناك جملة صغيرة لم تنتبه إليها ليان في البداية
قرأتها بعد سنوات
وكان مكتوبًا فيها
لو قابلتك في الجنة
هحبك من البداية
أغلقت الرسالة
وضمتها إلى قلبها
ثم همست
وأنا هعرفك من أول مرة
لأن قلبي
كان عارفك من أول مرة
![]()
