...
IMG 20260806 WA0012

 

 الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

مرت ثلاثة أيام كاملة منذ ذلك اللقاء الأول

 

ثلاثة أيام لم يحدث فيها شيء كبير من الخارج

 

لم يذهب أحمد إلى بيت منة مرة أخرى

 

ولم تتصل به منة

 

ولم يكن هناك حديث طويل بينهما

 

لكن داخل كل واحد منهما كانت هناك أشياء كثيرة تحدث

 

أشياء لم يرها أحد

 

وأفكار لم يعرف عنها الآخر شيئًا

 

كان أحمد قد قرر منذ اللحظة التي عاد فيها من اللقاء ألا يستعجل

 

كان يستطيع أن يقول لوالدته في نفس الليلة إنه موافق

 

وكان يستطيع أن يترك قلبه يقوده دون أن يفكر

 

لكنه لم يفعل

 

جلس مع نفسه

 

وأعطى نفسه ثلاثة أيام كاملة

 

ثلاثة أيام يراجع فيها كل شيء

 

لم يكن يريد أن يتذكر شكل منة فقط

 

ولا ابتسامتها

 

ولا الطريقة التي شعر بها عندما نظر إليها

 

كان يريد أن يسأل نفسه سؤالًا أكبر

 

هل منة فعلًا تصلح أن تكون زوجته

 

هل يستطيع أن يكمل معها

 

هل يستطيع أن يتحمل مسؤوليتها

 

هل يستطيع أن يكون لها الزوج الذي تستحقه

 

وهل هي أيضًا تستطيع أن تتحمل شخصيته وظروفه وطريقة تفكيره

 

في صباح اليوم الأول جلس أحمد وحده في غرفته

 

كان أمامه كوب من الشاي لكنه لم يلمسه

 

كان ينظر إلى المكان أمامه وكأنه يرى المستقبل في مساحة فارغة

 

وقال لنفسه

 

أنا عجبتني

 

دي أول حاجة لازم أعترف بيها

 

ثم سكت

 

وأضاف

 

بس الإعجاب لوحده مش كفاية

 

كان أحمد يعرف هذه الحقيقة جيدًا

 

فكم من شخص أعجب بفتاة ثم اكتشف بعد فترة أن الإعجاب كان مجرد انبهار أول

 

وكم من فتاة أعجبت بشاب بسبب طريقته في الكلام ثم اكتشفت أن الحياة معه مختلفة تمامًا

 

كان أحمد يريد شيئًا أعمق

 

أخذ ورقة وقلمًا

 

وكتب في أعلى الورقة

 

منة

 

ثم ظل ينظر إلى الاسم

 

بدأ يسأل نفسه

 

إيه اللي عجبني فيها

 

فكر قليلًا

 

ثم قال

 

هدوئها

 

احترامها

 

طريقة كلامها

 

إنها بتسمع

 

إنها مش بتحاول تظهر حاجة مش فيها

 

إنها فاهمة إن الجواز شراكة

 

إنها مش بتتكلم عن الحياة كأنها حاجة سهلة

 

ثم توقف

 

وقال

 

بس هل أنا أعرفها كفاية

 

كانت الإجابة واضحة

 

لا

 

لم يكن يعرفها بما يكفي

 

لكن هذا لم يكن معناه أن يرفض

 

بل كان معناه أن عليه أن يعرف عنها أكثر

 

جلس أحمد مع والدته في المساء

 

وقالت له

 

فكرت

 

قال

 

آه

 

قالت

 

ووصلت لإيه

 

نظر أحمد إليها

 

ثم قال

 

أنا مرتاح لها

 

قالت

 

يعني

 

قال

 

يعني عايز أكمل وأعرفها أكتر

 

ابتسمت والدته

 

وقالت

 

كنت حاسة

 

قال أحمد

 

بس أنا مش عايز أقول موافق لمجرد إني ارتحت لها في أول قعدة

 

قالت

 

وده الصح

 

قال

 

عايز أعرف إن الإحساس ده حقيقي

 

قالت والدته

 

والحقيقة بتبان مع الوقت

 

هز أحمد رأسه

 

ثم قال

 

بس أنا حاسس إنها مختلفة

 

قالت والدته

 

إيه اللي خلاك تحس كده

 

قال

 

مش عارف

 

ثم ابتسم وقال

 

يمكن عشان أول مرة أحس إني بتكلم مع واحدة وأنا مش عايز أخلص الكلام

 

نظرت إليه والدته بابتسامة تعرف معناها جيدًا

 

لكنها لم تضغط عليه

 

قالت فقط

 

خد وقتك

 

كان هذا بالضبط ما يريده أحمد

 

وقت

 

وفي اليوم الثاني خرج إلى عمله

 

لكن حتى وسط انشغاله كانت منة تأتي إلى ذهنه

 

لم يكن يفكر فيها طوال الوقت

 

لكن بين لحظة وأخرى كان يتذكر شيئًا قالته

 

يتذكر نظرتها عندما تحدث عن الزواج

 

يتذكر الطريقة التي قالت بها إنها تحب فكرة أن يكون الزوجان فريقًا واحدًا

 

وكان كلما تذكرها يشعر بنفس الراحة

 

وهنا بدأ أحمد يلاحظ شيئًا مهمًا

 

أنه لم يكن معجبًا بمنظرها فقط

 

بل كان معجبًا بطريقة تفكيرها

 

وهذا بالنسبة له كان أهم بكثير

 

وفي المساء جلس وحده وقال

 

لو أنا هتجوزها لازم أعرف إني قادر أديها الأمان اللي هي محتاجاه

 

نظر إلى واقعه

 

إلى عمله

 

إلى ظروفه المادية

 

إلى الأشياء التي ما زال يحاول أن يحققها

 

لم تكن حياته مثالية

 

وكان يعرف ذلك

 

لكن السؤال الذي ظل يطارد ذهنه كان

 

هل لازم أكون غني عشان أتجوز

 

ثم أجاب نفسه

 

لا

 

بس لازم أكون مسؤول

 

كانت تلك الكلمة مهمة جدًا بالنسبة له

 

مسؤول

 

لم يكن أحمد يريد أن يعد منة بحياة لا يستطيع توفيرها

 

لكنه كان مستعدًا أن يعمل من أجلها

 

أن يبني معها

 

أن يبدأ بالقليل ويكبر معها

 

وكان هذا أكثر ما جعله يشعر أنه قادر على اتخاذ خطوة جديدة

 

وفي اليوم الثالث وصل أحمد إلى قرار واضح

 

جلس في آخر الليل وحده

 

وأطفأ هاتفه

 

ثم قال لنفسه

 

أنا عايز أكمل

 

لم يكن القرار مبنيًا على لحظة عاطفية

 

كان بعد ثلاثة أيام من التفكير

 

ثلاثة أيام سأل فيها نفسه كل الأسئلة التي يستطيع أن يسألها

 

وكانت الإجابة في النهاية واحدة

 

أنا مرتاح لها

 

وأنا شايف إنها ممكن تكون زوجة مناسبة ليا

 

ثم قال

 

والباقي هنعرفه مع الوقت

 

في الجهة الأخرى كانت منة تعيش الأيام الثلاثة نفسها تقريبًا

 

كانت والدتها قد سألتها أكثر من مرة عن رأيها

 

لكنها لم تكن تريد أن تجيب بسرعة

 

كانت منة تريد أن تفهم نفسها أولًا

 

كانت تجلس وحدها أحيانًا وتعيد تفاصيل اللقاء في ذهنها

 

كانت تتذكر دخول أحمد

 

تتذكر هدوءه

 

تتذكر كلامه

 

وتتذكر كيف لم تشعر للحظة أنه يحاول أن يفرض نفسه عليها

 

وفي اليوم الأول قالت لنفسها

 

هو كويس

 

لكن هل ده كفاية

 

كانت تعرف أن الزواج ليس جلسة جميلة

 

ولا ابتسامة

 

ولا كلمات محترمة فقط

 

كانت تريد أن تعرف هل هذا الشخص سيظل محترمًا عندما يغضب

 

هل سيستمع إليها عندما تختلف معه

 

هل سيحترم أحلامها

 

هل سيحترم عائلتها

 

هل سيكون صادقًا معها

 

هل سيشعرها أنها شريكة فعلًا أم مجرد زوجة يجب أن تنفذ ما يريده

 

كل هذه الأسئلة دارت في عقلها

 

وفي اليوم الثاني تحدثت مع والدتها

 

قالت لها

 

ماما

 

قالت

 

نعم

 

قالت منة

 

أحمد شكله كويس

 

قالت والدتها

 

أنا عارفة

 

قالت

 

بس أنا مش عايزة أوافق لمجرد إني ارتحت له

 

قالت والدتها

 

ولا أنا عايزاكي تعملي كده

 

قالت منة

 

عايزة أفكر

 

قالت

 

فكري

 

ثم أضافت

 

القرار ده حياتك

 

ظلت منة صامتة

 

ثم قالت

 

أنا حاسة إنه هادي

 

قالت والدتها

 

وده عجبك

 

ابتسمت منة

 

وقالت

 

آه

 

ثم سكتت

 

وقالت

 

بس أكتر حاجة عجبتني إنه كان بيسمع

 

قالت والدتها

 

دي حاجة مهمة

 

قالت منة

 

وأنا لما كنت بتكلم مكنتش حاسة إنه مستني دوري يخلص عشان يتكلم

 

كانت منة قد بدأت تفهم أن إحساسها تجاه أحمد لم يكن مجرد ارتياح عابر

 

كان هناك شيء آخر

 

شيء يتشكل بهدوء

 

لكنها لم تكن تريد أن تسميه حبًا بعد

 

وفي اليوم الثالث جلست منة أمام المرآة

 

لم تكن تنظر إلى وجهها

 

كانت تنظر إلى نفسها وكأنها تسألها سؤالًا

 

هل أنت مستعدة

 

ثم قالت بصوت منخفض

 

أنا مش عايزة شخص كامل

 

أنا عايزة شخص أقدر أكمل معاه

 

تذكرت أحمد

 

وتذكرت كلماته

 

أنا بالنسبة لي أهم حاجة في البيت إن الاتنين يبقوا فريق واحد

 

شعرت بقلبها يتحرك من جديد

 

ثم ابتسمت

 

وقالت

 

أنا مرتاحة له

 

كانت تلك الجملة هي الإجابة التي كانت تبحث عنها طوال الأيام الثلاثة

 

لم تكن تعرف ماذا سيحدث بعد ذلك

 

لكنها كانت تعرف أنها تريد أن تعرفه أكثر

 

وأنها لا تريد أن ينتهي الأمر هنا

 

في المساء تحدثت منة مع والدتها

 

قالت لها

 

أنا موافقة

 

نظرت إليها والدتها وقالت

 

موافقة إننا نكمل

 

هزت منة رأسها

 

وقالت

 

آه

 

ثم ابتسمت بخجل

 

وقالت

 

أنا حاسة إنه الشخص المناسب

 

ابتسمت والدتها وقالت

 

ربنا يكتب لكم الخير

 

وفي بيت أحمد كانت والدته تجلس معه

 

قالت

 

منة ووالدتها موافقين

 

نظر أحمد إليها

 

وسكت للحظة

 

ثم ابتسم

 

قال

 

بجد

 

قالت

 

أيوه

 

ظهر الفرح على وجه أحمد بطريقة لم يستطع إخفاءها

 

قال

 

الحمد لله

 

ثم سكت

 

وقالت والدته

 

وأنت

 

قال أحمد

 

أنا موافق

 

قالت

 

يعني نكمل

 

قال

 

نكمل

 

وهكذا جاء القرار

 

بهدوء

 

من غير ضغط

 

من غير استعجال

 

من غير وعود كبيرة

 

فقط قبول من أحمد وقبول منة

 

ورغبة من الاثنين في أن يكملا الطريق بطريقة صحيحة

 

وبعد الاتفاق بين العائلتين على التفاصيل الأساسية تم تحديد موعد لقراءة الفاتحة

 

كان اليوم مختلفًا بالنسبة لأحمد

 

استيقظ في ذلك الصباح وهو يشعر أن حياته تتحرك إلى مكان جديد

 

ارتدى ملابسه

 

ثم وقف أمام المرآة للحظات

 

تذكر والده

 

وتذكر تلك الجملة التي قالها قبل أيام

 

كنت نفسي يكون موجود في اليوم اللي هتجوز فيه

 

شعر بحزن بسيط

 

لكنه لم يترك الحزن يسيطر عليه

 

قال في نفسه

 

يا ترى لو كنت موجود كنت هتفرح بيا

 

ثم ابتسم

 

وقال

 

إن شاء الله تكون شايفني

 

كانت والدته قد دخلت الغرفة في تلك اللحظة

 

نظرت إليه وقالت

 

جاهز

 

قال

 

جاهز

 

ثم نظرت إلى وجهه وقالت

 

مالك

 

قال

 

كنت بفكر في بابا

 

اقتربت منه

 

وقالت

 

كان نفسه يشوفك زي ما أنت نفسك كنت تتمنى تشوفه

 

سكت أحمد

 

ثم قالت

 

بس النهارده يوم فرحة

 

ابتسم أحمد

 

وقال

 

عندك حق

 

وفي بيت منة كانت الأجواء مختلفة أيضًا

 

كانت منة تشعر بخجل واضح

 

لكن خلف الخجل كان هناك فرح

 

كانت تعرف أن اليوم ليس زفافًا

 

وأن الطريق ما زال طويلًا

 

لكنها كانت تشعر أنها اتخذت قرارًا مهمًا

 

قرارًا جعل قلبها أكثر هدوءًا

 

عندما جلس أحمد ومنة في المكان نفسه من جديد

 

كانت هذه المرة مختلفة

 

في اللقاء الأول كان كل واحد منهما ينظر إلى الآخر على أنه شخص مجهول يحاول أن يعرفه

 

أما الآن فقد أصبح هناك شيء بينهما

 

قبول

 

اهتمام

 

وانتظار لما سيأتي

 

نظر أحمد إلى منة

 

فخفضت عينيها قليلًا

 

ابتسم

 

ولم تستطع هي أن تمنع ابتسامتها

 

كانت ابتسامة صغيرة

 

لكنها حملت الكثير

 

بعد قليل تمت قراءة الفاتحة

 

وكانت الكلمات بسيطة

 

لكن معناها كان كبيرًا

 

فمنذ هذه اللحظة لم تعد منة مجرد الفتاة التي ذهب أحمد ليراها

 

ولم يعد أحمد مجرد شاب جاء إلى بيتها في لقاء تعارف

 

بدأت أولى الصفحات الرسمية في حكايتهما

 

وكان أحمد يشعر أن الأمور تسير بطريقة غريبة في سهولتها

 

كل خطوة كانت تأتي في وقتها

 

كل اتفاق كان يتم بهدوء

 

كل شيء كان يجد طريقه دون تعقيد كبير

 

حتى أحمد نفسه بدأ يشعر أن الله يفتح له الطريق

 

وكان يقول في داخله

 

يمكن عشان أنا من البداية اخترت الحلال

 

يمكن عشان ربنا عارف إني كنت بدور على الصح

 

يمكن دي فعلًا تكون الإنسانة اللي ربنا كتبها ليا

 

وفي الجهة الأخرى كانت منة تشعر بشيء قريب جدًا

 

كانت تنظر إلى أحمد بين لحظة وأخرى

 

وتشعر أن وجوده أصبح مختلفًا

 

كان هناك خيط صغير بدأ يربط قلبها بقلبه

 

لم يكن حبًا مكتملًا

 

لكنه كان بداية حب

 

وكانت البداية أجمل لأنها جاءت بعد تفكير

 

وبعد سؤال

 

وبعد قبول

 

ولم يكن أي منهما يعلم أن الأيام القادمة ستجعل ذلك الشعور يكبر بطريقة لم يتوقعاها

 

فمنذ تلك اللحظة أصبح هناك شيء جديد في حياة أحمد

 

كلما أمسك هاتفه فكر هل منة ستتصل

 

وكلما حدث معه شيء جميل أراد أن يخبرها

 

وكلما مر بيوم صعب بدأ يتساءل كيف يمكن أن يتحدث معها عنه

 

ومنة أيضًا بدأت تكتشف شيئًا جديدًا في نفسها

 

كانت تنتظر أن تسمع صوته

 

تفرح عندما تعرف أنه بخير

 

وتبتسم عندما يأتي اسمه أمامها

 

وتفكر في كلامه بعد انتهاء الحديث

 

كانت الصفحات الأولى من الحب قد بدأت بالفعل

 

لكنها لم تكن صفحات مليئة بالكلمات الكبيرة

 

كانت صفحات صغيرة

 

نظرة

 

ابتسامة

 

سؤال عن الحال

 

اهتمام بسيط

 

دعاء في آخر الليل

 

وفرحة لا يعرف سببها إلا القلب

 

وفي نهاية ذلك اليوم جلس أحمد وحده

 

وأخذ يفكر في الأيام الثلاثة التي قضاها وهو يحاول أن يقرر

 

ثم ابتسم وقال لنفسه

 

الحمد لله إني استنيت

 

لأن القرار لما جه

 

جاء من القلب والعقل معًا

 

وفي الوقت نفسه كانت منة تنظر إلى خاتم بسيط في يدها

 

وتفكر في الرجل الذي أصبح الآن جزءًا من مستقبلها

 

ثم قالت لنفسها

 

يمكن دي البداية

 

وكانت فعلًا البداية

 

بداية حب سيكبر مع كل يوم

 

بداية حكاية ستجعل أحمد يكتشف أن بعض الأشخاص لا يدخلون حياتنا صدفة

 

بل يدخلون في الوقت الذي نكون فيه مستعدين لأن نفهم قيمتهم

 

ومنة لم تكن تعرف أن أحمد الذي شعرت معه بالراحة منذ أول لقاء

 

سيصبح مع الوقت أكثر إنسان تستطيع أن تحكي له كل شيء

 

وأحمد لم يكن يعرف أن منة التي رأى في عينيها هدوءًا غريبًا

 

ستصبح بعد فترة قصيرة المكان الذي يجد فيه راحته

 

وهكذا بدأت أولى صفحات الحب بينهما

 

لا بصوت مرتفع

 

ولا بكلمات كثيرة

 

بل بهدوء يشبه بداية الفجر

 

وبقلبين اختارا أن يبدآ الطريق من الباب الصحيح

 

وكان أول ما جمعهما

 

أن كل واحد منهما قال في داخله

 

ربما يكون هذا هو نصيبي

 

انتظر الجزء القادم

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *