...
IMG 20260820 WA0000

 

الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

بدأ الأسبوع الثاني بطريقة لم يكن أحمد يتوقع أنها ستؤثر فيه بهذا الشكل

 

كان يظن أن الأيام أصبحت تسير بهدوء

 

وأن كل ليلة سيبدأ عمله ثم يتحدث مع منة لساعات طويلة كما اعتاد منذ قراءة الفاتحة

 

لكن في صباح أول أيام الأسبوع أخبرته منة بشيء بسيط

 

قالت

 

أحمد

 

قال

 

نعم

 

قالت

 

أنا هسافر كام يوم مع ماما لبورسعيد

 

ابتسم أحمد في البداية وقال

 

بجد

 

قالت

 

آه

 

قال

 

فسحة

 

ضحكت وقالت

 

شوية تغيير جو

 

قال

 

وهتقعدوا قد إيه

 

قالت

 

ثلاث ليالي

 

 

ثلاث ليالي

 

كانت الجملة عادية جدًا

 

لكنها عندما وصلت إلى قلب أحمد شعر وكأنها أكبر بكثير من مجرد ثلاثة أيام

 

لم يظهر ذلك في صوته

 

ولم يرد أن يجعلها تشعر بالذنب

 

ابتسم وقال

 

ربنا يكتب لكم السلامة

 

قالت

 

الله يسلمك

 

ثم أضافت

 

هكلمك كل يوم

 

قال أحمد

 

عارف

 

قالت

 

مالك

 

قال

 

مفيش

 

قالت

 

متأكد

 

ابتسم وقال

 

أنا بس هفتقد كلامك

 

سكتت منة للحظة

 

ثم قالت بصوت هادئ

 

وأنا كمان

 

كانت أول مرة تعترف له بهذه البساطة

 

لم تقلها بخجل

 

ولم تقلها مجاملة

 

قالتها لأنها شعرت بها

 

وقبل أن تنهي المكالمة قال لها

 

خلي بالك من نفسك

 

قالت

 

حاضر

 

قال

 

ولو احتجتي أي حاجة اتصلي بيا في أي وقت

 

قالت وهي تبتسم

 

حتى وأنا في بورسعيد

 

قال

 

حتى لو كنتي في آخر الدنيا

 

 

في مساء ذلك اليوم

 

كانت منة قد وصلت

 

أرسلت إليه رسالة قصيرة

 

وصلنا الحمد لله

 

قرأ أحمد الرسالة أكثر من مرة

 

ثم رد بسرعة

 

الحمد لله

 

اطمني أول ما ترتاحي

 

بعد دقائق جاءه ردها

 

أنا كويسة

 

جلس أحمد في عمله

 

بدأت الساعة تتحرك

 

لكنه شعر لأول مرة منذ أسبوع أن الليل عاد طويلًا

 

كان الهاتف أمامه

 

وكان يعرف أنها موجودة

 

ويعرف أنه يستطيع أن يتصل بها

 

لكن كان هناك شعور غريب لا يعرف كيف يشرحه

 

كان يشعر أنها بعيدة

 

بعيدة جدًا

 

رغم أن كل ما بينهما من البداية كان الهاتف

 

قال في نفسه

 

هي قبل السفر وبعد السفر أنا بكلمها بنفس الطريقة

 

أمال ليه حاسس إنها بعيدة بالشكل ده

 

لم يجد إجابة

 

كل ما عرفه أن قلبه لم يكن مرتاحًا

 

اتصل بها

 

ردت بعد ثوان

 

قال

 

عاملة إيه

 

قالت

 

الحمد لله

 

إنت عامل إيه

 

قال

 

كويس

 

ثم سكت

 

قالت

 

أحمد

 

قال

 

نعم

 

قالت

 

مالك

 

قال

 

ولا حاجة

 

قالت

 

أنت وحشتك المكالمة

 

ضحك وقال

 

هو أنا لحقت

 

قالت

 

إنت لحقت

 

ثم ضحكت هي أيضًا

 

لكنها كانت تعرف أن ضحكته تخفي شيئًا

 

 

انتهت المكالمة

 

وعاد أحمد إلى عمله

 

نظر إلى المكان حوله

 

كل شيء كما هو

 

لكن شيء بداخله لم يعد كما كان

 

كان يشعر أن هناك جزءًا من راحته سافر مع منة

 

ولأول مرة منذ أن عرفها

 

اكتشف أن مجرد معرفته بأنها ليست في مدينته

 

يكفي ليجعله يشعر بالاشتياق

 

قال في نفسه

 

هو أنا اتعلقت بيها للدرجة دي

 

ثم ابتسم

 

وقال

 

واضح إني اتعلقت

 

 

أما منة

 

فبعد أن دخلت المكان الذي ستقيم فيه

 

جلست بجوار النافذة

 

كانت بورسعيد جميلة

 

والهواء مختلف

 

والبحر أمامها

 

لكنها وجدت نفسها تفتح هاتفها دون سبب

 

دخلت إلى محادثة أحمد

 

قرأت آخر رسالة منه

 

ثم ابتسمت

 

قالت في نفسها

 

هو ليه حاسة إن في حاجة ناقصة

 

حاولت أن تنشغل

 

خرجت مع والدتها

 

تمشت قليلًا

 

رأت البحر

 

لكن كلما رأت شيئًا جميلًا كانت تقول

 

لو أحمد كان هنا كان هيفرح

 

ثم توقفت فجأة

 

وقالت لنفسها

 

أنا إمتى بقيت بفكر فيه بالشكل ده

 

لم تجد إجابة

 

لكنها كانت تعرف أن قلبها بدأ يعتاد وجوده

 

 

مرت الليلة الأولى

 

وكان أحمد كل ساعة تقريبًا ينظر إلى هاتفه

 

لا لأنه ينتظر رسالة مهمة

 

بل لأنه يريد أن يطمئن أنها بخير

 

وفي آخر الليل كتب لها

 

نمتي

 

جاءه الرد

 

لسه

 

قال

 

ليه

 

قالت

 

مش عارفة

 

قال

 

أنا كمان

 

قالت

 

بتفكر في إيه

 

ظل أحمد يكتب ويمسح أكثر من مرة

 

ثم كتب في النهاية

 

بفكر إنك بعيدة

 

قرأت منة الرسالة

 

وظلت تنظر إليها طويلًا

 

ثم كتبت

 

أنا بعيدة بمسافة

 

لكن مش بعيدة عنك

 

ابتسم أحمد ابتسامة لم يشعر بها منذ ساعات

 

وأغلق عينيه للحظة

 

كانت جملة بسيطة

 

لكنها أعادت إليه راحة كان يحتاجها

 

 

في اليوم الثاني

 

استيقظ أحمد

 

وأول شيء فعله

 

أنه أمسك الهاتف

 

رأى رسالة منها أرسلتها قبل أن تنام

 

تصبح على خير يا أحمد

 

ابتسم

 

وقال

 

حتى وهي بعيدة بتطمني

 

أما منة

 

فكانت تمشي بجوار البحر

 

والهواء يحرك شعرها

 

لكنها كانت كل بضع دقائق تنظر إلى هاتفها

 

تنتظر رسالة منه

 

ولم تكن تعترف لنفسها أنها تنتظرها

 

لكنها كانت تبتسم فور ظهور اسمه

 

قالت لها والدتها وهي تلاحظ ذلك

 

مالك

 

قالت

 

مفيش

 

قالت

 

بتبصي على الموبايل كتير

 

ابتسمت منة بخجل

 

وقالت

 

عادي

 

لكن والدتها كانت ترى كل شيء

 

ورأت في عيني ابنتها ذلك الهدوء الذي لم يكن موجودًا قبل أن يدخل أحمد حياتها

 

 

وفي مساء اليوم الثاني

 

كان أحمد يتحدث معها كعادته

 

لكن هذه المرة قال لها فجأة

 

هو انتي هترجعي إمتى بالظبط

 

قالت

 

بكرة إن شاء الله

 

قال

 

بكرة

 

قالت

 

آه

 

قال

 

أنا مستني بكرة بطريقة غريبة

 

ضحكت وقالت

 

أنا مش جاية عندك

 

قال

 

عارف

 

قالت

 

أمال

 

قال

 

مش عارف

 

بس مجرد إنك هتبقي في نفس المدينة يريحني

 

سكتت منة

 

وكانت تلك الجملة قد وصلت إلى قلبها مباشرة

 

قالت

 

وأنا كمان

 

حاسة إن الرجوع هيبقى أحلى

 

قال

 

ليه

 

قالت

 

عشان كل حاجة هترجع زي ما كانت

 

 

وفي الليلة الثالثة

 

لم يعد أحمد يخفي اشتياقه

 

قال لها

 

تعرفي

 

قالت

 

إيه

 

قال

 

أنا أول مرة أحس إن ثلاث أيام يبقوا طويلين كده

 

قالت

 

وأنا كمان

 

قال

 

بجد

 

قالت

 

آه

 

ثم سكتت

 

وقالت بخجل

 

وحشتني

 

توقف أحمد عن الكلام

 

شعر أن قلبه ينبض أسرع

 

قال بهدوء

 

وإنتي كمان وحشتيني جدًا

 

كانت تلك أول مرة ينطق كل واحد منهما بهذه الكلمة

 

دون تردد

 

ودون خوف

 

خرجت من القلب

 

فوصلت إلى القلب

 

 

وفي صباح اليوم التالي

 

كانت منة عائدة

 

أما أحمد

 

فلم يكن يركز في شيء

 

كان يشعر أن اليوم مختلف

 

وكأن شخصًا عزيزًا عليه سيعود بعد غياب طويل

 

رغم أن الغياب لم يكن سوى ثلاث ليال

 

ضحك من نفسه

 

وقال

 

أنا لو ثلاث أيام عملوا فيا كده

 

أمال بعدين هيحصل إيه

 

 

وعندما أرسلت له منة رسالة

 

وصلنا الحمد لله

 

شعر أحمد براحة غريبة

 

وكأن شيئًا كان ناقصًا وعاد إلى مكانه

 

رد عليها بسرعة

 

الحمد لله على السلامة

 

قالت

 

الله يسلمك

 

قال

 

المدينة رجعت أحسن

 

ضحكت وهي تقرأ الرسالة

 

وقالت

 

يعني بورسعيد كانت واخدة معاها المدينة

 

رد عليها

 

لا

 

كانت واخدة قلبي

 

سكتت منة

 

وأغلقت عينيها للحظة

 

كانت تعرف أن أحمد لا يجامل

 

ولذلك كانت كلماته تدخل إلى قلبها بسهولة

 

 

وبقية الأسبوع

 

عاد كل شيء كما كان

 

بل أصبح أجمل

 

المكالمات أصبحت أطول

 

والاشتياق أصبح أوضح

 

والاهتمام تضاعف

 

وأصبح كل واحد منهما يعرف أن غياب الآخر حتى لو كان أيامًا قليلة

 

يترك فراغًا لا يملؤه شيء

 

وكان أحمد في نهاية الأسبوع يجلس في عمله

 

وينظر إلى شاشة هاتفه

 

ثم يبتسم

 

ويقول في داخله

 

أنا كنت فاكر إني بحب وجودها

 

طلع الموضوع أكبر من كده

 

أنا بقيت بحب وجودها في كل تفصيلة من يومي

 

أما منة

 

فكانت تجلس في غرفتها

 

وتنظر إلى محادثته

 

ثم تبتسم

 

وتقول لنفسها

 

الغريب إن أحمد عمره ما طلب مني أفضل أكلمه

 

لكن أنا بقيت من نفسي بدور على صوته

 

وأدرك كل واحد منهما في نهاية ذلك الأسبوع

 

أن الحب لم يعد مجرد بداية جميلة

 

بل أصبح شعورًا يسكن تفاصيل الأيام

 

حتى إن ثلاثة أيام من السفر

 

كانت كافية ليكتشف قلبان

 

أن المسافات لا تُقاس بالكيلومترات

 

بل تُقاس بمدى اشتياق القلب لمن يحب

 

انتظر الجزء القادم

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *