...
IMG 20260820 WA0001

 

الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

انتهى الأسبوع الثاني

 

لكن شيئًا واحدًا لم ينته

 

ذلك الشعور الذي كان يكبر بين أحمد ومنة في صمت

 

كان كل يوم يمر يجعل كل واحد منهما يكتشف شيئًا جديدًا في الآخر

 

ويكتشف شيئًا جديدًا في نفسه أيضًا

 

أصبح أحمد يستيقظ وأول ما يخطر على باله منة

 

وقبل أن ينام كانت آخر فكرة تمر في قلبه هي منة

 

لم يكن يقصد ذلك

 

ولم يكن يجبر نفسه عليه

 

لكنه كان يحدث وحده

 

كما يحدث الشروق كل صباح

 

وكما يأتي الليل في موعده

 

أصبحت منة جزءًا من يومه

 

ليس لأنها تحدثه كثيرًا

 

ولكن لأنها أصبحت موجودة داخل كل تفصيلة يعيشها

 

كان يخرج من البيت في الصباح

 

فينظر إلى السماء

 

ويقول في نفسه

 

يا ترى صحيت ولا لسه

 

ثم يبتسم وحده

 

وفي طريقه إلى العمل يرى محلًا يبيع الورود

 

فيتوقف بعينيه للحظات

 

ويقول

 

لازم أول مرتب أقدر أوفر فيه حاجة أجيب لها ورد

 

ثم يكمل طريقه وهو يبتسم

 

كان يشعر بسعادة لأنه لأول مرة أصبح لديه شخص يفكر فيه قبل نفسه

 

أما منة

 

فكانت حياتها تغيرت هي الأخرى

 

كانت تجلس مع والدتها

 

فتبتسم فجأة

 

فتقول لها والدتها

 

أكيد أحمد قال حاجة

 

فتضحك منة

 

وتخفي وجهها

 

وكأن ابتسامتها أصبحت تفضحها

 

وفي أحد الأيام

 

كانت تعد كوبًا من الشاي

 

وأثناء انشغالها رن هاتفها

 

نظرت إلى الشاشة

 

فوجدت اسم أحمد

 

ابتسمت ابتسامة واسعة

 

ثم قالت لنفسها

 

هو معقول كل مرة اسمه يظهر أفرح كده

 

ردت بسرعة

 

قال أحمد

 

كنتِ بتعملي إيه

 

قالت

 

بعمل شاي

 

قال

 

يعني عطلتك

 

قالت

 

بالعكس

 

أنت جيت في الوقت الحلو

 

ضحك أحمد

 

وقال

 

طب خلاص

 

يبقى أنا ليَّ كوب معاك

 

قالت

 

لو كنت هنا كنت عملتلك واحد

 

قال

 

هو أنا لسه بعيد

 

قالت

 

لا

 

أنت قريب

 

قريب أوي

 

سكت أحمد

 

كانت تلك الكلمة كافية لتملأ قلبه بشعور لا يستطيع وصفه

 

ولأول مرة

 

لم يكن يريد أن يرد بكلمات

 

اكتفى بأن يبتسم

 

فقالت منة

 

سكت ليه

 

قال

 

عشان ساعات الكلام بيكون أقل من اللي القلب حاسه

 

ساد بينهما صمت قصير

 

لكنه لم يكن صمتًا محرجًا

 

بل كان صمتًا دافئًا

 

يشبه جلوس شخصين يعرف كل واحد منهما أن الآخر موجود

 

ولا يحتاجان إلى الكلام حتى يشعر كل واحد منهما بالأمان

 

وفي تلك الليلة

 

كان أحمد يعمل كعادته

 

لكن ضغط العمل كان أكبر من المعتاد

 

تراكمت عليه المسؤوليات

 

وأخذ يتحرك من مكان إلى آخر

 

حتى شعر بالإرهاق

 

أمسك هاتفه

 

ونظر إلى صورة منة التي كانت قد أرسلتها له قبل أيام وهي تقف أمام البحر في بورسعيد

 

ابتسم

 

ثم قال في نفسه

 

أنا هتعب إيه

 

وأنا عندي سبب أرجعله كل يوم

 

وفي تلك اللحظة اتصلت به منة

 

قالت

 

كنت حاسة إنك تعبان

 

ابتسم أحمد وقال

 

إنتي بقيتي تعرفي من غير ما أتكلم

 

قالت

 

يمكن

 

عشان بقيت أعرف قلبك

 

توقف الزمن بالنسبة لأحمد عند تلك الجملة

 

لم يكن يتخيل أن تعلقهما وصل إلى هذه الدرجة

 

قال لها بهدوء

 

وأنا بقيت أعرف قلبك من نبرة صوتك

 

قالت

 

بجد

 

قال

 

لما تكوني زعلانة بتتكلمي بطريقة مختلفة

 

ولما تكوني فرحانة صوتك بيضحك قبل كلامك

 

ولما تكوني تعبانة بتحاولي تخبي

 

بس بعرف

 

ابتسمت منة

 

وقالت

 

يعني بقيت تقراني

 

قال

 

يمكن

 

أو يمكن بقيت بحفظك

 

شعرت منة أن قلبها يخفق بسرعة

 

كانت تسمع كلماته

 

لكنها كانت تشعر بها أكثر مما تسمعها

 

وفي نهاية المكالمة

 

قالت له

 

أحمد

 

قال

 

نعم

 

قالت

 

أوعدني بحاجة

 

قال

 

إيه هي

 

قالت

 

لو في يوم زعلت مني

 

متسكتش

 

كلمني

 

حتى لو كنت أنا الغلطانة

 

ما تسيبش بينا مسافة

 

نظر أحمد أمامه طويلًا

 

ثم قال

 

أوعدك

 

بس على شرط

 

قالت

 

إيه

 

قال

 

لو أنا زعلتك

 

تقوليلي

 

ومتخليش حاجة تكبر بينا

 

قالت

 

أوعدك

 

كانت تلك الكلمات بالنسبة لهما أهم من أي كلام رومانسي

 

لأن الحب الحقيقي

 

لا يكبر بالكلمات الجميلة فقط

 

بل يكبر بالاتفاق على ألا يسمحا للصمت أن يهزم ما بينهما

 

ومرت الأيام

 

وأصبح لكل واحد منهما مكان ثابت في حياة الآخر

 

حتى إن أحمد أصبح إذا حدث معه موقف جميل

 

أول من يريد أن يحكي لها هو منة

 

وإذا ضاق صدره من شيء

 

أول من يبحث عنها هي منة

 

أما منة

 

فكانت إذا ضحكت على موقف

 

تقول في نفسها

 

لازم أحكيه لأحمد

 

وإذا رأت شيئًا أعجبها

 

تتمنى لو كان بجوارها

 

وفي ليلة هادئة

 

كان القمر يملأ السماء بنوره

 

خرج أحمد من عمله قبل الفجر بقليل

 

وقف في الشارع الخالي

 

رفع رأسه إلى السماء

 

ثم أمسك هاتفه

 

واتصل بها

 

ردت وهي نصف نائمة

 

قالت بصوت هادئ

 

أحمد

 

قال

 

صحيتك

 

قالت وهي تبتسم

 

لو أنت اللي بتصحيني

 

يبقى مفيش زعل

 

ضحك

 

وقال

 

بصيت للقمر

 

وافتكرتك

 

قالت

 

ليه

 

قال

 

مش عارف

 

يمكن عشان الاتنين بيريحوا القلب

 

أغمضت منة عينيها

 

وشعرت أن قلبها امتلأ بسكينة غريبة

 

وقالت

 

تعرف يا أحمد

 

قال

 

إيه

 

قالت

 

أنا كنت فاكرة إن الحب بيبدأ بكلمة بحبك

 

بس طلع بيبدأ بالحاجات الصغيرة

 

إن حد يفتكرك وهو تعبان

 

يطمن عليك

 

يستناك

 

ويدعيلك

 

قال أحمد

 

الحب الحقيقي بيبدأ لما الواحد يحس إن فيه حد بقى وطن ليه

 

سكتت منة

 

ثم قالت بصوت خافت

 

وأنت بقيت وطني يا أحمد

 

أغلق أحمد عينيه

 

وشعر أن قلبه امتلأ بشيء لم يشعر به من قبل

 

وقال بهدوء

 

وأنت البيت اللي نفسي أرجعله كل يوم

 

ولأول مرة منذ بدأت حكايتهما

 

لم يشعر أحمد أنه يبحث عن الحب

 

بل شعر أنه وجده

 

وأن الله أرسل إلى قلبه إنسانة جعلت الأيام العادية تبدو أجمل

 

وجعلت ساعات الليل الطويلة تمر وكأنها دقائق

 

أما منة

 

فكانت تنظر إلى شاشة هاتفها بعد انتهاء المكالمة

 

ثم وضعت يدها فوق قلبها

 

وقالت لنفسها

 

يا رب

 

احفظه لي

 

فهو أجمل هدية جاءت إلى حياتي

 

وفي تلك الليلة

 

كان كل واحد منهما ينام

 

وقلبه مطمئن

 

لأنه عرف أن الحب ليس فقط أن تجد شخصًا تحبه

 

بل أن تجد شخصًا تشعر معه

 

أنك وصلت أخيرًا إلى المكان الذي تنتمي إليه

 

انتظر الجزء القادم

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *