الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
مرت الأيام بعد تلك الليلة بهدوء
لكن الهدوء هذه المرة لم يكن يعني أن شيئًا لا يحدث
بل كان يعني أن شيئًا كبيرًا كان ينمو بين أحمد ومنة دون أن يشعر به أحد
كان الحب بينهما يكبر في التفاصيل
في السؤال عن يوم كل واحد منهما
في المكالمة التي تبدأ بلا سبب وتنتهي بعد ساعات
في كلمة تصبح على خير
وفي رسالة صباحية قصيرة تجعل اليوم كله أجمل
وكان أحمد قد بدأ يكتشف أن منة لا تحتاج منه إلى أشياء كبيرة حتى تفرح
كانت تفرح بالسؤال
بالاهتمام
بأن يتذكر شيئًا قالته قبل أيام
بأن يسألها عن شيء صغير ظن هو نفسه أنه لن يبقى في ذاكرتها
وكانت تلك التفاصيل تجعل أحمد يشعر أنه يريد أن يفعل لها شيئًا جديدًا كل يوم
وفي أحد الأيام
كان أحمد في طريقه لزيارتها
لم يكن هناك سبب كبير للزيارة
مجرد جلسة يتحدثان فيها قليلًا
وربما يجلس معها ومع عائلتها لبعض الوقت
لكنه منذ أن خرج من بيته كان يشعر أن اليوم مختلف
وقف أمام أحد المحلات
وتذكر شيئًا كانت منة قد قالته له منذ فترة
كانت قد تحدثت مرة عن أيام طفولتها
وقالت له وهي تضحك إنها كانت تحب المصاصات جدًا
لم يكن الكلام مهمًا وقتها
كان مجرد جزء من حديث طويل
لكن أحمد تذكره
دخل المحل
ظل ينظر إلى الأشياء الموجودة أمامه
ثم ابتسم
وقال لنفسه
أنا هجيب لها مصاصات
ضحك على نفسه
وقال
هي هتقول عليا إيه
دي خلاص بقت كبيرة
لكن شيئًا داخله كان يقول له
هاتها
مش مهم
المهم تفرح
اشترى أكثر من واحدة
ووضعها في كيس صغير
ثم أكمل طريقه
وكان يشعر بشيء غريب
فرحة طفل يفعل شيئًا بسيطًا لشخص يحبه
لم يكن يعرف لماذا كان سعيدًا بهذه الدرجة
ربما لأنه كان ينتظر رؤية وجه منة عندما يعطيها لها
وعندما وصل
جلس مع العائلة قليلًا
ثم جاءت منة
رآها أحمد
فابتسم دون أن يشعر
كانت نظرتها إليه تحمل نفس الابتسامة التي اعتادها منذ بدأت حكايتهما
جلست
وتحدثا في البداية بشكل طبيعي
ثم أخرج أحمد الكيس الصغير
وقال
خدي
نظرت منة إليه باستغراب
وقالت
إيه ده
قال
افتحي
فتحت الكيس
ثم وجدت المصاصات
رفعت عينيها إليه
وظلت تنظر إليه للحظات
ثم قالت
أنت جبتلي مصاصات
ضحك أحمد وقال
آه
قالت
ليه
قال
مش عارف
وبعدين
افتكرت إنك قلتي إنك بتحبيها
ابتسمت منة
لكن ابتسامتها لم تكن عادية
كانت ابتسامة فتاة شعرت أن الشخص الذي أمامها يسمعها فعلًا
وأن كلامها لا يمر من أمامه وينتهي
بل يبقى في ذاكرته
قالت
أنت فاكر إني قلتلك كده
قال أحمد
أنا فاكر حاجات كتير بتقوليها
سكتت منة
ثم أمسكت إحدى المصاصات
وقالت وهي تضحك
بس أنا كبيرة على المصاصات
قال أحمد
مين قال
قالت
أنا
قال
وأنا مالي
قالت
يعني إيه
قال
لو بتحبيها يبقى مفيش حاجة اسمها كبيرة عليها
ضحكت منة
وقالت
أنت غريب
قال
بس مبسوطة
حاولت أن تخفي ابتسامتها
وقالت
لا
قال أحمد
كذابة
قالت
طيب آه مبسوطة
ثم نظرت إلى المصاصة في يدها
وقالت
بس مش عشان المصاصة
سكت أحمد
وقال
عشان إيه
قالت
عشان أنت افتكرت
كانت الجملة بسيطة
لكنها دخلت إلى قلب أحمد بقوة
لأنه فهم لأول مرة أن قيمة الأشياء لا تكون في ثمنها
بل في معناها
هو لم يشتر لها شيئًا غاليًا
لم يفعل شيئًا كبيرًا
لكنه تذكر كلمة قالتها منذ فترة
وهذا وحده جعلها تشعر أنها مهمة
قال أحمد
أنا بحب أفتكر كلامك
قالت
ليه
قال
عشان أي حاجة تخصك بقت بتهمني
نظرت منة إليه
ثم خفضت عينيها
ولم تستطع أن تمنع ابتسامتها
كانت المصاصة في يدها
لكن قلبها كان يحتفظ بشيء آخر
بذكرى صغيرة ستظل معها طويلًا
بعد أن انتهت الزيارة
عاد أحمد إلى بيته
وكان يبتسم طوال الطريق
سألته والدته
مالك
قال
مفيش
قالت
أنت مبسوط
قال
آه
قالت
عملت إيه
ضحك وقال
جبت لمنة مصاصات
نظرت إليه والدته باستغراب
وقالت
مصاصات
ضحك أحمد
وقال
آه
قالت
وهي عجبتها
قال
جدا
ثم سكت قليلًا
وقال
بس أنا اللي فرحت أكتر
قالت والدته
ليه
قال
عشان حسيت إني قدرت أفرحها بحاجة بسيطة
ابتسمت والدته
وقالت
اللي بيحب حد بيبقى همه يشوفه مبسوط
لم يرد أحمد
لكنه كان يعرف أن كلامها صحيح
في تلك الليلة اتصلت منة به
قالت
أحمد
قال
نعم
قالت
أنا عايزة أشكرك
قال
على إيه
قالت
على المصاصات
ضحك
وقال
لسه فاكرة
قالت
أكيد
قال
دي حاجة بسيطة
قالت
بالنسبة لك بسيطة
لكن بالنسبة لي كانت كبيرة
سكت أحمد
ثم قال
ليه
قالت
عشان حسيت إنك بتسمعني
قال
أنا بسمعك
قالت
مش بس بتسمعني
أنت بتفتكر
ثم سكتت قليلًا
وأضافت
وده عندي أغلى من أي حاجة
كان أحمد يستمع إليها دون أن يقاطعها
ثم قال
أنا نفسي كل حاجة بسيطة أعملها تفرحك
قالت
إنت مش محتاج تعمل حاجات كبيرة
قال
أمال
قالت
خليك زي ما أنت
سكت أحمد
كانت الجملة بالنسبة إليه أجمل من كل كلمات الحب
لأنها لم تطلب منه أن يصبح شخصًا آخر
لم تطلب منه أن يملك أشياء لا يملكها
لم تطلب منه حياة مثالية
كانت تريد فقط أحمد نفسه
قال
منة
قالت
نعم
قال
إنتي عارفة إنك بتفرحيني بطريقة غريبة
قالت
إزاي
قال
أنا لما أشوفك مبسوطة بحاجة أنا عملتها بحس إني حققت حاجة كبيرة
قالت
حتى لو مصاصة
ضحك
وقال
حتى لو مصاصة
ضحكت منة
ثم قالت
طب خد بالك
قال
من إيه
قالت
أنا ممكن أطلب منك مصاصات كل يوم
قال
هجيبلك
قالت
بجد
قال
بجد
قالت
حتى لو كبرت
قال
حتى لو بقيتي جدة
ضحكت منة بصوت عال
وقالت
يا أحمد
قال
إيه
قالت
أنت بتخليني أضحك وأنا أصلا كنت ناوية أنام
قال
ما تناميش
قالت
ليه
قال
خليني أسمع ضحكتك شوية
سكتت
ثم قالت
إنت عارف إنك بقيت بتتعبني
قال
ليه
قالت
عشان كل مرة بتخليني أحبك أكتر
صمت أحمد
هذه المرة لم يجد كلمة يرد بها
كانت أول مرة تقول له شيئًا بهذه الصراحة
قال بعد لحظات
وأنا كمان
قالت
إيه
قال
بحبك أكتر كل يوم
كانت الكلمة هادئة
لكنها كانت ثقيلة في معناها
لم تكن كلمة عابرة
كانت اعترافًا خرج بعد أسابيع من التقارب
وبعد الكثير من التفاصيل الصغيرة
وبعد أن بدأ كل واحد منهما يشعر أن الآخر أصبح جزءًا من قلبه
قالت منة بصوت منخفض
وأنا بحبك
ثم سكت الاثنان
لم يكن هناك شيء يحتاج إلى أن يقال بعدها
فبعض اللحظات عندما يصل فيها القلب إلى ما يريد
يصبح الكلام زائدًا
وفي الأيام التالية
بدأ أحمد يفعل أشياء صغيرة أكثر
إذا عرف أنها تحب شيئًا
تذكره
إذا قالت إنها متعبة
يسألها بعد ساعات إن كانت أصبحت أفضل
إذا أخبرته عن شيء مهم بالنسبة إليها
يتذكره حتى بعد مرور أيام
ومنة كانت تفعل الشيء نفسه
بدأت تحفظ تفاصيل أحمد
مواعيد عمله
الأوقات التي يكون فيها متعبًا
الأشياء التي يحبها
والأشياء التي تضايقه
وأصبح كل واحد منهما يشعر أن الآخر يراه
ليس فقط بعينيه
بل بقلبه
وفي إحدى الليالي قال أحمد لها
عارفة أكتر حاجة عجبتني في موضوع المصاصات
قالت
إيه
قال
إني كنت فاكر إنك هتضحكي عليا
قالت
وأنا ضحكت
قال
بس فرحتي
قالت
أيوه
ثم قالت
عارف ليه
قال
ليه
قالت
عشان حسيت إنك لما فكرت فيا
فكرت في طفلة بتحب حاجة بسيطة
مش في خطيبتك اللي لازم تجيب لها حاجة كبيرة
قال أحمد
أنا مش عايز منك تكوني حاجة غير نفسك
قالت
وأنا عايزة منك حاجة واحدة
قال
إيه
قالت
لما الدنيا تضغط عليك
متنساش إن في حد هنا مستني يسمع صوتك
شعر أحمد بشيء يهز قلبه
وقال
أنا عمري ما هنسى
ثم أضاف
وأنتي كمان
لو الدنيا تعبتك
تعالي عندي
حتى لو مفيش حل
حتى لو أنا مش قادر أغير حاجة
هسمعك
قالت
وده كفاية
قال
عارفة ليه
قالت
ليه
قال
عشان أنا مش عايز أبقى الشخص اللي بتحبيه بس
عايز أبقى الشخص اللي بتحسي معاه بالأمان
لم ترد منة
كانت تنظر إلى هاتفها والدموع تلمع في عينيها
لم تكن حزينة
بل كانت تشعر أن هناك شيئًا جميلًا يحدث داخلها
شيئًا لم تكن تعرف كيف تصفه
كانت تشعر أنها لم تعد وحدها في الحياة
هناك شخص أصبح يحمل جزءًا من همومها
ويشاركها فرحتها
ويعرف كيف يجعل يومًا عاديًا يبدو مميزًا
وفي نهاية تلك الليلة
وضعت منة المصاصة التي أعطاها لها أحمد في درج صغير بجوار أشياء تحبها
لم تأكلها
احتفظت بها
ليس لأنها مصاصة
ولكن لأنها أصبحت ذكرى
ذكرى اليوم الذي فهمت فيه أن الحب ليس في الهدايا الغالية
ولا في الكلمات الكبيرة
الحب أحيانًا يكون في شخص يتذكر أنك قلت مرة إنك تحب المصاصات
ثم يأتي بها إليك
فقط لأنه أراد أن يرى ابتسامتك
أما أحمد
فكان في غرفته يفكر في ذلك اليوم
وتذكر فرحتها
فضحك وحده
ثم قال
أنا كده بدأت أحب إسعادها أكتر من أي حاجة
ولم يكن يعلم أن هذا الشعور
سيكون واحدًا من أهم الأشياء التي ستختبر حبهما فيما بعد
لأن الحب الحقيقي لا يظهر عندما تكون الأيام سهلة فقط
بل يظهر عندما تأتي الأيام التي تحتاج فيها القلوب إلى أن تتمسك ببعضها أكثر
وكانت حكاية أحمد ومنة
قد بدأت بالفعل تتحول من مجرد ارتباط جميل
إلى شيء أعمق بكثير
إلى وعد بين قلبين
كل يوم يثبت للآخر
أن هذا الوعد لم يكن مجرد كلمة
بل حياة كاملة بدأت تتشكل بينهما
انتظر الجزء القادم
![]()
