...
IMG 20260908 WA0002

 

 الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

ظل آدم واضعًا يده على مقبض الباب.

 

لم يفتحه.

 

كان الصوت الذي خرج من خلفه لا يشبه الأصوات التي اعتادوا سماعها من التسجيلات السابقة.

 

كان واضحًا.

 

هادئًا.

 

وفيه شيء جعل مريم تتجمد في مكانها.

 

قالت:

 

“ده صوت عاصم.”

 

نظر إليها آدم.

 

“إنتِ متأكدة؟”

 

أومأت.

 

“مستحيل أنساه.”

 

اقتربت نور من الباب.

 

قالت:

 

“أنا كمان أعرفه.”

 

ثم وضعت يدها على صدرها.

 

“مع إني ما عشتش معاه، لكن الصوت موجود في ذاكرتي.”

 

قالت ليان:

 

“يعني هو مش موجود؟”

 

هزت مريم رأسها.

 

“عاصم مات بعد ولادتك مباشرة.”

 

قال آدم:

 

“إذن اللي جوه تسجيل.”

 

أجابته مريم:

 

“نعم.”

 

فتح آدم الباب.

 

لم يكن خلفه أحد.

 

كانت غرفة صغيرة، وفي منتصفها جهاز تسجيل قديم.

 

وعلى الجدار صورة لرجل شاب.

 

توقفت نور أمامها.

 

قالت:

 

“ده أبي.”

 

اقتربت مريم من الصورة.

 

كانت تنظر إليها وكأنها ترى سنوات كاملة من حياتها أمامها.

 

قالت:

 

“كنت صغيرًا جدًا…”

 

ثم لمست الصورة.

 

“كنت أظن أنني أعرفك.”

 

اشتغل جهاز التسجيل وحده.

 

خرج صوت عاصم:

 

“إذا كنتم تسمعون هذا التسجيل، فقد وصلت نور إلى المكان الذي أخفيت فيه الحقيقة.”

 

جلست مريم.

 

أما آدم وليان ونور فظلوا واقفين.

 

تابع عاصم:

 

“مريم…”

 

توقفت أنفاسها.

 

“أعرف أنك ستغضبين مني عندما تسمعين هذا.”

 

ثم قال:

 

“لكنني لم أستطع إخبارك.”

 

قالت مريم بصوت مرتجف:

 

“ليه؟”

 

وكأن عاصم يسمعها.

 

أجاب في التسجيل:

 

“لأنك لو عرفتِ، كنتِ ستصبحين هدفًا.”

 

ثم ظهرت صورة أخرى على الشاشة.

 

صورة قديمة لعاصم…

 

وبجواره رجل.

 

تغير وجه مريم.

 

قالت:

 

“سليم.”

 

قال آدم:

 

“أبويا؟”

 

أومأت.

 

قال عاصم في التسجيل:

 

“سليم لم يظهر في حياتك صدفة.”

 

صمتت مريم.

 

تابع:

 

“كان يعرفني قبل أن يعرفك.”

 

تجمدت.

 

“وكان يعرف كل شيء عن نبض القدر.”

 

قال آدم:

 

“يعني أبي كان يعرف عاصم قبل أمي؟”

 

جاء صوت عاصم:

 

“نعم.”

 

ثم قال:

 

“كنت أنا وسليم نعمل معًا.”

 

نظر آدم إلى مريم.

 

كانت الصدمة واضحة في عينيها.

 

تابع عاصم:

 

“كنا نبحث في النقوش القديمة، وكنا نعتقد أننا نبحث عن تاريخ.”

 

ثم قال:

 

“لكننا اكتشفنا أننا نبحث عن شيء حي.”

 

سألت ليان:

 

“إيه؟”

 

قال عاصم:

 

“الذاكرة.”

 

ثم ظهرت على الشاشة صورة لرموز تشبه التي رأوها من قبل.

 

قال:

 

“في البداية كنا نظن أن القطعتين مجرد أدوات.”

 

“لكننا اكتشفنا أنهما جزء من نظام كامل.”

 

ثم أضاف:

 

“نظام يستطيع تخزين الذكريات داخل البشر.”

 

وضعت نور يدها على رأسها.

 

قالت:

 

“عشان كده أنا…”

 

أجاب صوت عاصم:

 

“نعم.”

 

“أنتِ لم تكوني تجربة.”

 

ثم توقف.

 

“كنتِ حاملة.”

 

سأل آدم:

 

“حاملة لإيه؟”

 

قال عاصم:

 

“لجزء من الذاكرة.”

 

ثم تغير التسجيل.

 

ظهر عاصم وهو يحمل طفلة صغيرة.

 

كانت نور.

 

قال:

 

“هذه ابنتي.”

 

ثم ظهرت مريم بجانبه.

 

“وهذه أمها.”

 

نظر آدم إلى الشاشة.

 

كان عمر نور في الصورة أيامًا قليلة.

 

قال عاصم:

 

“نور وُلدت قبل آدم بثلاث سنوات.”

 

نظرت مريم إلى نور.

 

ثم قالت:

 

“ثلاث سنوات…”

 

أومأت نور.

 

“عشان كده أنا أكبر منك.”

 

نظر آدم إليها.

 

ابتسمت له بحزن.

 

تابع التسجيل:

 

“بعد ولادة نور، اكتشفت أن الذاكرة بدأت تنتقل إليها.”

 

ثم قال:

 

“كنت أعرف أن المنظمة ستبحث عنها.”

 

“لذلك وضعت الجزء الذي اكتشفته داخلها.”

 

سأل آدم:

 

“إزاي؟”

 

قال عاصم:

 

“ليس بطريقة جراحية.”

 

ثم أضاف:

 

“الذاكرة كانت تستجيب للعقل.”

 

“وكانت تنتقل من خلال النبض.”

 

نظر الجميع إلى آدم.

 

قال عاصم:

 

“لكنني لم أكن أعرف أن نور ستحتفظ بها كل هذه السنوات.”

 

ثم تغير صوته.

 

“بعد ولادتها مباشرة، عرفت أنني مراقب.”

 

توقفت مريم عن التنفس.

 

“وفي اليوم التالي…”

 

صمت التسجيل لحظة.

 

ثم قال:

 

“تعرضت لهجوم.”

 

قالت مريم:

 

“وده اليوم اللي مات فيه.”

 

أجاب التسجيل:

 

“نعم.”

 

ثم ظهرت صورة قبر قديم.

 

قال عاصم:

 

“مريم، أنا أحبك.”

 

أغمضت عينيها.

 

“لكنني كنت أعرف أن زواجنا لن يستمر.”

 

ثم قال:

 

“لذلك قبل موتي، طلبت من شخص واحد أن يحمي نور.”

 

ظهر اسم:

 

سليم.

 

قال آدم:

 

“أبي.”

 

تابع عاصم:

 

“سليم وعدني أن يحميها.”

 

ثم أضاف:

 

“لكنه لم يستطع.”

 

تغيرت ملامح مريم.

 

قالت:

 

“ليه؟”

 

جاء صوت عاصم:

 

“لأن المنظمة بدأت تراقب سليم أيضًا.”

 

ثم قال:

 

“بعد موتي، ظننتِ أن كل شيء انتهى.”

 

“لكن سليم ظل يراقبك.”

 

“لم يقترب.”

 

“لم يخبرك أنه يعرفني.”

 

“ولم يخبرك أنه كان شريكي.”

 

قال آدم:

 

“عشان لما ظهر في حياتها…”

 

تابع التسجيل:

 

“ظهر أمامك وكأنه رجل غريب.”

 

نظر آدم إلى مريم.

 

كانت تبكي.

 

قالت:

 

“وأنا فعلًا صدقت.”

 

قال عاصم:

 

“بعد سنوات، أصبح سليم جزءًا من حياتك.”

 

“ثم تزوجتما.”

 

“لكنني لم أكن أريد منك أن تعرفي الحقيقة.”

 

“كنت أريد أن تعيشي بعيدًا عن كل هذا.”

 

سكت التسجيل.

 

ثم ظهر مقطع أخير.

 

قال عاصم:

 

“إذا كانت نور قد وصلت إلى هذا التسجيل، فهذا يعني أن ذاكرتها استيقظت.”

 

نظرت نور إلى آدم.

 

قالت:

 

“عشان كده افتكرت.”

 

ثم أضافت:

 

“كنت أعيش ذكريات أبي وكأنني كنت معه.”

 

قالت مريم:

 

“إزاي؟”

 

أجابت نور:

 

“الذاكرة كانت داخلي.”

 

ثم قالت:

 

“كلما كبرت، كانت الذكريات تفتح.”

 

“كنت أرى أبي.”

 

“أسمع صوته.”

 

“وأرى أمي.”

 

ثم نظرت إلى مريم.

 

“وأخيرًا تذكرت أنك أمي.”

 

سكت الجميع.

 

ثم عاد صوت عاصم:

 

“لكن هناك شيء أخطر.”

 

تغيرت ملامح آدم.

 

قال عاصم:

 

“سليم لم يترك لكم الحقيقة هنا.”

 

ظهرت خريطة.

 

قال:

 

“إذا أردتم معرفة ما حدث بعد موتي…”

 

ثم ظهرت نقطة على الخريطة.

 

بيت أمينة.

 

قال عاصم:

 

“اذهبوا إلى أمينة.”

 

سأل آدم:

 

“ليه؟”

 

قال:

 

“لأنها كانت آخر شخص يعرف مكان سليم الحقيقي.”

 

ثم أضاف:

 

“وهي الوحيدة التي تعرف لماذا أُخفيت نور عن أمها.”

 

توقف التسجيل.

 

ثم عاد صوت عاصم مرة أخيرة:

 

“اذهبوا إليها الأربعة.”

 

“مريم.”

 

“آدم.”

 

“ليان.”

 

“ونور.”

 

ثم قال:

 

“وأخبروا أمينة أن عاصم لم يمت دون أن يترك لها أمانة.”

 

انطفأ الجهاز.

 

ساد الصمت.

 

قال آدم:

 

“إذن أمينة كانت عارفة كل ده؟”

 

أجابت مريم:

 

“يبدو أنها تعرف أكثر مما أخبرتني.”

 

قالت نور:

 

“إذن لازم نروح لها.”

 

رفعت ليان رأسها.

 

“لكن لو المنظمة وصلت لها؟”

 

قال آدم:

 

“يبقى لازم نوصل قبلهم.”

 

أخذت مريم الورقة الموجودة بجوار الجهاز.

 

كان عليها عنوان بيت أمينة.

 

نظر آدم إلى الباب.

 

ثم قال:

 

“نخرج.”

 

تحرك الأربعة معًا.

 

مريم.

 

آدم.

 

ليان.

 

نور.

 

ولأول مرة منذ بداية الرحلة…

 

لم يكن بينهم شخص يقودهم.

 

لم يكن فارس موجودًا.

 

لم يكن يونس معهم.

 

لم يكن نادر.

 

ولا ياسر.

 

ولا أحد يستطيع أن يخبرهم ما ينتظرهم.

 

كان عليهم أن يكتشفوا الطريق بأنفسهم.

 

لكن قبل أن يغادروا الغرفة…

 

لاحظت نور شيئًا على الجدار.

 

اقتربت.

 

كان هناك نقش صغير لم يظهر إلا بعد توقف التسجيل.

 

قالت:

 

“استنوا.”

 

اقترب الثلاثة.

 

قرأ آدم النقش.

 

وكان مكتوبًا:

 

“أمينة لا تعرف النهاية…”

 

ثم ظهر سطر آخر:

 

“لكنها تعرف من بدأ كل شيء.”

 

نظرت نور إلى مريم.

 

وقالت:

 

“يبقى اللي هنسمعه عند أمينة…”

 

ثم توقفت.

 

“مش هيكون مجرد تكملة.”

 

قال آدم:

 

“هيكون بداية الحقيقة الحقيقية.”

 

خرج الأربعة من المكان.

 

وكان الطريق إلى بيت أمينة ينتظرهم.

 

لكنهم لم يعرفوا…

 

أن أمينة نفسها كانت قد بدأت تستعد لوصولهم قبل سنوات طويلة.

 

انتظروا الجزء القادم

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *