...
IMG 20260908 WA0003

 

 الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد

 

لم يخرج الأربعة من الغرفة فورًا.

 

ظلوا واقفين أمام جهاز التسجيل بعد أن انطفأت شاشته.

 

كان السؤال نفسه يدور في عقل كل واحد منهم.

 

لكن آدم كان أول من نطق به:

 

“استنوا.”

 

التفتت إليه ليان.

 

قال:

 

“في حاجة مش منطقية.”

 

نظرت إليه مريم.

 

“إيه؟”

 

قال آدم:

 

“إزاي عاصم قال لنا كل الحاجات اللي حصلت بعد موته؟”

 

سكت الجميع.

 

أكمل آدم:

 

“هو مات بعد ولادة نور مباشرة.”

 

ثم أشار إلى الجهاز.

 

“والتسجيل ده كان بيحكي حاجات حصلت بعد موته بسنين.”

 

نظر إلى نور.

 

“إزاي؟”

 

لم تجب نور فورًا.

 

كانت تنظر إلى الجهاز وكأنها تحاول ترتيب شيء داخل رأسها.

 

ثم قالت:

 

“أنا عارفة.”

 

قال آدم:

 

“إزاي؟”

 

وضعت نور يدها على رأسها.

 

“من البداية… أنا قلت لكم إن الذكريات اتحطت جوايا.”

 

قالت مريم:

 

“لكن إيه علاقة ده بالتسجيل؟”

 

أجابت نور:

 

“عاصم مات، لكن ذكرياته لم تمت.”

 

ثم قالت:

 

“لما كنت صغيرة جدًا، كانت الذاكرة داخلي مرتبطة بذاكرته.”

 

نظر آدم إليها باهتمام.

 

تابعت:

 

“كنت أعيش حياته في دماغي.”

 

“أشوف اللي شافه.”

 

“أسمع اللي سمعه.”

 

“وأحس بالأشياء اللي كان بيحسها.”

 

قالت ليان:

 

“يعني كنتِ بتعيشي ذكريات أبوكي؟”

 

أومأت.

 

“بالضبط.”

 

ثم أضافت:

 

“لكن في حاجة لازم تعرفوها.”

 

اقتربت من الجهاز.

 

“قبل دفن أبي، كان جسدي مرتبطًا بالذاكرة الموجودة فيه.”

 

قال آدم:

 

“وبعد ما اتدفن؟”

 

“بدأ الارتباط ينفصل.”

 

ثم قالت:

 

“من اللحظة دي، بقيت أحتفظ بكل اللي حصل قبل موته.”

 

“لكن ما كنتش أقدر أشوف أي حاجة جديدة حصلت بعد دفنه.”

 

قالت مريم:

 

“إذن كيف عرف التسجيل ما حدث بعد ذلك؟”

 

ابتسمت نور.

 

“التسجيل لم يعرف.”

 

سكتت لحظة.

 

ثم قالت:

 

“أنا اللي كنت أحمل الذكريات.”

 

نظر آدم إلى الشاشة.

 

“يعني اللي حصل دلوقتي…”

 

“لما دخلنا الغرفة، حصل تفاعل.”

 

أشارت إلى رأسها.

 

“الذاكرة اللي جوايا تفاعلت مع النظام الموجود هنا.”

 

ثم قالت:

 

“الشاشة لم تعرض تسجيلًا حقيقيًا لعاصم.”

 

توقفت.

 

“عرضت الذاكرة الموجودة في عقلي على شكل أبي.”

 

قالت ليان:

 

“يعني إحنا ما كناش بنسمع عاصم نفسه؟”

 

“لا.”

 

“كنا بنسمع ذاكرته.”

 

أومأت نور.

 

“الذاكرة أعادت تشكيل صوته وصورته، وربطت الأحداث اللي أعرفها ببعض.”

 

قالت مريم:

 

“لكن بعض المعلومات كانت جديدة بالنسبة لنا.”

 

أجابتها نور:

 

“بالنسبة لكم، نعم.”

 

ثم نظرت إلى مريم.

 

“لكن بالنسبة لي كانت موجودة من قبل.”

 

سأل آدم:

 

“يعني كل اللي سمعناه عن سليم وعاصم كان موجودًا في ذاكرتك؟”

 

“جزء كبير منه.”

 

“والباقي؟”

 

قالت:

 

“النظام هنا جمع الذكريات اللي كانت داخلي وربطها بالمعلومات اللي كان عاصم مخزنها في المكان.”

 

صمت آدم.

 

بدأت الصورة تتضح.

 

لم يكن عاصم حيًا.

 

ولم يكن التسجيل رسالة كتبها بعد موته.

 

بل كانت ذاكرة عاصم داخل نور، وقد وجدت في هذه الغرفة النظام الذي استطاع أن يجعلها تتجسد أمامهم.

 

قالت مريم:

 

“إذن عاصم مات فعلًا.”

 

أومأت نور.

 

“نعم.”

 

“وكل ما رأيناه كان من ذاكرته.”

 

“بالضبط.”

 

ثم قالت نور:

 

“لكن فيه شيء أخطر.”

 

سأل آدم:

 

“إيه؟”

 

قالت:

 

“لو الذاكرة قدرت تتفاعل مع المكان ده…”

 

نظرت إلى الجدران.

 

“فمعناه إن الأماكن اللي بناها أبي وسليم كانت مصممة من البداية عشان تستقبل الذاكرة.”

 

قالت ليان:

 

“يعني كل مكان بندخله ممكن يفتح جزء جديد؟”

 

أجابت نور:

 

“ممكن.”

 

نظر آدم إلى مريم.

 

“يبقى لازم نروح لأمينة.”

 

أومأت.

 

“دلوقتي.”

 

خرجوا من الغرفة.

 

 

 

كان الطريق إلى بيت أمينة هادئًا بشكل غريب.

 

لم يتحدث أحد لفترة طويلة.

 

حتى قالت ليان:

 

“مريم.”

 

التفتت إليها.

 

“نعم؟”

 

“إنتِ كنتِ بتحبي عاصم؟”

 

سكتت مريم.

 

ثم قالت:

 

“كنت.”

 

“ولما مات…”

 

أخفضت عينيها.

 

“اعتقدت أن حياتي انتهت.”

 

ثم ابتسمت بحزن.

 

“وبعدها بوقت، ظهر سليم.”

 

قال آدم:

 

“وإنتِ ما كنتيش تعرفي إنه يعرف عاصم.”

 

“أبدًا.”

 

“ولا حتى شكيتِ؟”

 

هزت رأسها.

 

“كان يتعامل معي كأنه قابلني لأول مرة.”

 

قالت نور:

 

“لكنه كان يعرفك.”

 

أجابت مريم:

 

“الآن فقط فهمت.”

 

ثم سكتت.

 

كان في ذهنها سؤال آخر.

 

لماذا اختار سليم أن يدخل حياتها بعد موت عاصم؟

 

لكن الإجابة…

 

كانت تنتظرهم عند أمينة.

 

 

 

بعد وقت، ظهر بيت أمينة من بعيد.

 

توقف الأربعة.

 

كان البيت قديمًا.

 

هادئًا.

 

لكن الباب كان مفتوحًا.

 

قال آدم:

 

“الباب مفتوح.”

 

قالت ليان:

 

“ده مش طبيعي.”

 

تقدم آدم.

 

ثم توقف.

 

على عتبة الباب كان هناك شيء موضوع بعناية.

 

ورقة صغيرة.

 

رفعها.

 

قرأ:

 

“كنت أعلم أنكم ستأتون.”

 

نظر إلى مريم.

 

قالت:

 

“دي كتابة أمينة.”

 

فتح الباب.

 

دخلوا.

 

لم تكن أمينة في الغرفة الأولى.

 

ولا الثانية.

 

ولا الثالثة.

 

لكن البيت كان مرتبًا.

 

وعلى الطاولة أربعة أكواب.

 

قالت ليان:

 

“هي كانت مستنيانا.”

 

اقتربت نور من أحد الأكواب.

 

كان لا يزال دافئًا.

 

قالت:

 

“كانت هنا منذ دقائق.”

 

فجأة…

 

صدر صوت من أعلى السلم.

 

“لا.”

 

رفعوا رؤوسهم.

 

كانت أمينة واقفة هناك.

 

لكن ملامحها لم تكن كما عرفوها من قبل.

 

كانت شاحبة.

 

وتبدو وكأنها لم تنم منذ أيام.

 

قالت:

 

“أنا لم أكن أنتظركم.”

 

نظر إليها آدم.

 

“إنتِ اللي كتبتي الورقة؟”

 

هزت رأسها.

 

“نعم.”

 

“يبقى كنتِ عارفة إننا جايين.”

 

قالت:

 

“كنت أعرف أنكم ستأتون.”

 

ثم نظرت إلى نور.

 

وتغير وجهها.

 

“لكنني لم أتوقع أن تأتي هي.”

 

تقدمت نور.

 

“أنتِ تعرفيني؟”

 

قالت أمينة:

 

“أعرفك منذ اليوم الذي ولدتِ فيه.”

 

تجمدت مريم.

 

قالت:

 

“أمينة…”

 

لكن أمينة لم تنظر إليها.

 

كانت عيناها مثبتتين على نور.

 

ثم قالت:

 

“لكن هناك شيئًا واحدًا لم يخبركم به عاصم.”

 

سأل آدم:

 

“إيه؟”

 

نزلت أمينة درجات السلم ببطء.

 

وفي يدها صندوق أسود صغير.

 

قالت:

 

“عاصم لم يكن أول شخص وضع الذاكرة داخل طفل.”

 

سقط الصمت.

 

ثم وضعت الصندوق على الطاولة.

 

وقالت:

 

“نور لم تكن أول طفلة.”

 

نظر الأربعة إلى بعضهم.

 

ثم أضافت أمينة:

 

“وكان هناك طفل قبلها… وسليم هو الذي أخفاه.”

 

اقترب آدم.

 

“مين الطفل؟”

 

وضعت أمينة يدها على الصندوق.

 

لكنها لم تفتحه.

 

وقالت:

 

“لو فتحت هذا الصندوق، ستعرفون لماذا كان سليم يخاف من نبض القدر أكثر من المنظمة نفسها.”

 

انتظر الجزء القادم

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *