الكاتب عبد الرحمن شعبان سعد
كان أول صباح بعد الزواج مختلفًا عن كل صباح عرفه أحمد ومنة
استيقظ أحمد قبل منة بقليل
وظل للحظات ينظر حوله
ثم ابتسم عندما تذكر أن المكان الذي كان يقف فيه منذ أيام وهو يتابع الدهانات والتجهيزات أصبح الآن بيتًا حقيقيًا
بيتًا يعيش فيه مع منة
لم يكن يسمع صوت الهاتف ينتظر مكالمتها
ولم يكن عليه أن يسألها كيف أصبحت
فهي كانت أمامه
وهذه الفكرة وحدها جعلته يبتسم
نهض بهدوء
وحاول ألا يوقظها
دخل المطبخ
وظل ينظر إلى الأشياء حوله
ثم بدأ يفكر
ماذا يمكن أن يفعل في أول صباح
لم يكن أحمد يعرف الكثير عن إعداد الطعام
لكنه قرر أن يحاول
فتح الثلاجة
نظر إليها
ثم أغلقها
فتحها مرة أخرى
ثم قال لنفسه
طب أنا هعمل إيه
وبدأ يبحث عن شيء بسيط
وفي النهاية قرر أن يعد الإفطار بطريقة بسيطة
كان يحاول أن يفعل كل شيء بهدوء
لكن صوت أحد الأشياء التي وقعت منه جعل منة تستيقظ
خرجت من الغرفة وهي ما زالت نصف نائمة
وقالت
إنت بتعمل إيه
التفت أحمد
وقال
صحيتِ
قالت
على الصوت ده
ثم نظرت إلى المطبخ
وقالت
إنت بتطبخ
قال
بحاول
قالت
ليه
قال
عشان أول يوم
قالت
وأنا كنت هعمل
قال
مش هينفع
قالت
ليه
قال
أول يوم ده دوري
ضحكت
وقالت
دورك
قال
آه
قالت
طيب وريني
نظر إليها أحمد بثقة مصطنعة
وقال
اتفضلي
نظرت إلى ما أعده
ثم قالت
ده فطار
قال
آه
قالت
إنت متأكد
قال
إيه المشكلة
قالت
مفيش
ثم ضحكت
قال
بتضحكي ليه
قالت
عشان شكلك وإنت بتعمله
قال
يعني
قالت
واضح إنك بتتعلم
قال
طب كلي الأول وبعدين احكمي
جلست منة
وبدأ الاثنان يتناولان الإفطار
وكان الطعام بسيطًا
لكن اللحظة كانت بالنسبة إليهما أجمل من أي شيء
قالت منة
عارف
قال
إيه
قالت
أنا عمري ما تخيلت إن أول فطار ليا معاك هيبقى كده
قال
وحش
قالت
لا
قال
أمال
قالت
بسيط
قال
البسيط حلو
قالت
عشان إحنا سوا
ابتسم أحمد
وقال
أهو دي أهم حاجة
وبعد الإفطار
بدأت منة ترتب بعض الأشياء
فقال أحمد
سيبيها
قالت
ليه
قال
إنتي لسه تعبانة
قالت
وأنت مش تعبان
قال
أنا راجل
قالت
وأنا إيه
ضحك
وقال
أنتي مراتي
قالت
يعني ده معناه إني ما أعملش حاجة
قال
معناه إننا نعملها سوا
قالت
طب ساعدني
قال
حاضر
وبدآ يرتبان البيت معًا
لم تكن هناك خادمة
ولا أحد يقوم بكل شيء بدلًا منهما
كانا وحدهما
كل شيء صغير كان يحتاج إلى أن يتفقا عليه
أين يوضع هذا
وأين يذهب ذلك
كيف يرتبان الأشياء
متى يخرجان
متى يعودان
وماذا سيفعلان في الأيام القادمة
وكانت هذه التفاصيل البسيطة تكشف لهما شيئًا جديدًا
أن الزواج ليس فقط لحظات رومانسية
بل تفاصيل صغيرة جدًا
تتكرر كل يوم
لكن طريقة التعامل معها هي التي تصنع الحياة
في منتصف النهار
رن هاتف أحمد
كان اتصالًا من والدته
أجاب
وقالت له
عاملين إيه
قال
الحمد لله
قالت
منة عاملة إيه
قال
الحمد لله
ثم نظر إلى منة وقال
عايزة تكلمي ماما
أخذت الهاتف
وتحدثت معها
وكان واضحًا أن والدته كانت سعيدة جدًا
ثم تحدثت معها والدة منة أيضًا
وبعد أن انتهت المكالمة
قالت منة
أمه بتحبني
قال أحمد
أوي
قالت
وأنا بحبها
قال
عارف
قالت
أنا خايفة من حاجة
قال
إيه
قالت
إننا مع الوقت ننشغل عن أهلنا
قال
مش هيحصل
قالت
إزاي
قال
هنخلي لكل حد مكانه
قالت
وأنا عايزة كده
قال
أهلي أهلك
وأهلك أهلي
قالت
بس كل واحد يعرف حدوده
قال
بالضبط
قالت
أنا بحب الكلام ده
قال
عشان كده إحنا لازم من البداية نتفق على حاجات كتير
قالت
زي إيه
قال
لو حصل خلاف بينا
ما نطلّعوش بره البيت
قالت
إلا لو احتجنا نصيحة من حد عاقل
قال
صح
قالت
ولو اختلفنا على حاجة
قال
نتكلم إحنا الأول
قالت
ولو الموضوع كبر
قال
نرجع لحد كبير وعاقل من العيلتين
قالت
تمام
قال
بس مش كل مشكلة تبقى قصة
قالت
أكيد
ثم قالت
وأهم حاجة
قال
إيه
قالت
ما نسيبش حد يدخل بينا
قال
ولا حد
ثم سكت أحمد قليلًا
وقال
أنا عندي حاجة كمان
قالت
قول
قال
لو في يوم أنا كنت عصبي
ما تاخديش كل كلمة أقولها على إنها حقيقة
قالت
ولو أنا زعلت
قال
ما تقفليش الباب
قالت
يعني
قال
نتعلم نهدى
وبعدين نتكلم
قالت
وعد
قال
وعد
وفي المساء
خرج الاثنان قليلًا
لم تكن خروجة كبيرة
لكنها كانت أول مرة يخرجان فيها وهما زوجان
كانت منة تسير بجواره
وكان أحمد يشعر أن كل شيء أصبح مختلفًا
حتى الطريقة التي ينظر بها إليها
قالت
إنت ساكت
قال
بفكر
قالت
في إيه
قال
في إنك بقيتي مراتي بجد
قالت
لسه مستغرب
قال
أوي
قالت
وأنا كمان
قال
بس مبسوط
قالت
جدا
قال
أنا كنت خايف إن بعد الجواز حاجات كتير تتغير
قالت
اتغيرت
قال
إيه
قالت
بقينا أقرب
ابتسم أحمد
وقال
أيوه
ثم سارا قليلًا
وكان كل واحد منهما يتحدث عن الأشياء التي يريد أن يفعلها في الأيام القادمة
منة كانت تريد أن تهتم بالبيت
وأحمد كان يريد أن يخفف عنها
وكان كل منهما يحاول أن يجعل بداية الحياة الجديدة أكثر راحة للآخر
وفي طريق العودة
قالت منة
أحمد
قال
نعم
قالت
أنا عايزة أسألك سؤال
قال
اسألي
قالت
إنت مبسوط
قال
أوي
قالت
حتى لو الحياة فيها تعب
قال
إنتي معايا
قالت
دي إجابة
قال
آه
قالت
مش هتمل
قال
أنا كنت بمل وأنا لوحدي
قالت
ودلوقتي
قال
دلوقتي بقيت أستنى أرجع البيت
سكتت منة
ثم قالت
أنا كمان
وعندما عاد الاثنان إلى البيت
كانت منة تتأمل المكان
ثم قالت
أحمد
قال
نعم
قالت
البيت صغير
قال
عارف
قالت
بس أنا حاساه كبير
قال
ليه
قالت
عشان فيه أحلام كتير
نظر إليها أحمد
وقال
زي إيه
قالت
إننا نعيش كويس
ونفضل قريبين من ربنا
ونساعد بعض
ونفرح ببعض
وبعدين
سكتت قليلًا
وقال
وبعدين إيه
قالت
يبقى عندنا أولاد
ابتسم أحمد
وقال
إنتي بتفكري في الأولاد من أول يوم
قالت
مش دلوقتي
قال
طب إمتى
قالت
لما ربنا يريد
قال
إن شاء الله
قالت
وأنا نفسي أولادنا يشوفوا فينا الحب اللي إحنا نفسنا عايشينه
قال
وأنا نفسي يتعلموا مننا إن البيت مش مكان للنوم
قالت
أمال
قال
مكان للرحمة
قالت
والأمان
قال
والستر
قالت
والحب
قال
والصبر
قالت
يبقى لازم نفضل فاكرين ده
قال
هنفضل
وفي تلك الليلة
جلس أحمد ومنة يتحدثان قبل النوم
لم تكن هناك مناسبة
ولا مشكلة
ولا شيء استثنائي
مجرد حديث عادي
لكن أحمد فجأة قال
منة
قالت
نعم
قال
أنا عايز أقول لك حاجة
قالت
قول
قال
أنا عارف إن الأيام الجاية مش كلها هتبقى سهلة
قالت
عارفة
قال
وممكن نتعب
قالت
أكيد
قال
وممكن نزعل
قالت
وارد
قال
بس أنا عايزك تعرفي حاجة
قالت
إيه
قال
أنا مش ناوي أهرب من أي حاجة
قالت
وأنا كمان
قال
ولو في يوم حسيت إني بعيد
قولي لي
قالت
ولو إنت حسيت إني بعيدة
قول لي
قال
ولو احتجتي حاجة
قالت
هقول لك
قال
ولو أنا احتجت
قالت
هتلاقيني
ابتسم أحمد
وقال
كده أنا مطمن
قالت
وأنا كمان
ثم أطفآ الضوء
وكان أول يوم كامل لهما في الزواج قد انتهى
لم يحدث فيه شيء خارق
لم تكن هناك مفاجأة ضخمة
ولا أحداث كبيرة
لكن حدث شيء أهم
لقد بدأ الاثنان يتعلمان كيف يحولان الحب الذي عاشاه في الخطوبة إلى حياة يومية
وكان هذا أول انتصار حقيقي لهما
لأن الحب الذي يعيش في الكلام جميل
لكن الحب الذي يعيش في التفاصيل
هو الذي يستطيع أن يكمل العمر.
وفي صباح اليوم التالي
كان أحمد سيعود إلى عمله لأول مرة بعد الزواج
وهنا ستبدأ منة في اكتشاف معنى جديد لغيابه
وستكتشف أن الاشتياق الذي عرفته في الخطوبة
لم يكن شيئًا أمام اشتياق الزوجة لزوجها
حين يصبح البيت الذي اعتادت أن تنتظره فيه
مرتبطًا بصوت مفتاحه عند الباب.
انتظر الجزء القادم
![]()
