...
Faa370c6 4ca8 4749 b77e 4eb15cadf324

كتبت: نجوى الطامي

نزوحٌ بعد نُزوح
انتقت “روضة” خطواتها بعناية بين أكوام من الركام التي تكدّست نتيجة القصف الاسرائيلي الشديد على غزة، وأخذت تثِبُ بين الأنقاض وهي تقبض على يد طفلتها الصغيرة سندس.
قالت محذرةً: “انتبهي يا حبيبتي فالأرضُ هنا خادعة ويمكنُ أن تنهار بنا في أي لحظة.”
لم ترُدّ الطفلة الصغيرة، بل تشبثت بيد أمها بقوة وأخذت تبكي وهي تسير في أعقابها وتشهق من شدة النحيب بصوت مسموع.
توقفت روضة عن السير وانحنت على صغيرتها بعطف تربّت على وجنتها محاولةً أن تسترضيها: “اصبري معنا قليلا يا سُندستي الصغيرة. لا تبكي. أعرف أنك تعبت، ولكن بعد قليل سنجد مكانا آمنا ونجلس لنستريح.”
ازدادت شهقات سندس كلما حاولت أن تكتم البكاء.
قالت “روضة” في استعطاف: ” اسمعي يا حبيبتي! أعدك بأن نرتاح أطولَ مدة عندما نصل إلى مكان نحتمي فيه بأمان.”
من خلف الأم جاء صوت صبي هو ابنها الأكبر ياسر: “أرجوكي يا أمي أسرعي، قدمي المجروحة تؤلمني وبدأت تنزف من جديد.”
ظَهَرَ الفزعُ على وجه روضة، وحاولت أن تسرع الخطى بين أكوام الحجارة والمخلفات الناجمة عن القصف.
صاحت تحدث ياسر: “هانت يا بطل! بعد قليل نجد المأوى ونضع أغراضنا ونستريح.”
قال ابنها الأوسط خالد الذي كان يسير إلى جوار ياسر يرعاه ويسنده خشيةَ أن يصيبَه مكروه: “اننا نسير منذ أربع ساعات بدون هدف. فإلى أين نحن ذاهبون يا أمي؟”
تنهدت روضة في حسرة وقالت: “ليتني أعرف. أنا أبحث عن مأوى يضمّنا إلى أن نجد طريقا آمنا نسلكه إلى مخيم الشاطئ يا حبيبي. يقولون انه ملاذ آمن هناك، وربما يتاح العلاجُ لأخيك في مستشفى الشفاء القريب.”
انحدرت دموع ساخنة على وجنتي روضة وبكت في صمت وهي تهمس لنفسها: “والله إني أتمنى أن أفديكم بعيوني ونفسي يا أولادي، ولكن، اللهم إليك نشكو ضعفنا وقلةَ حيلتنا وهواننَا على الناس. ان لم يكن بك غضبٌ علينا فلا أبالي، يارب اشملنا بعطفك يا كريم.”
كانت هذه المرةَ الرابعة التي تنزح فيها روضة من موقع الى موقع داخل قطاع غزة المحاصر. فبعد عملية طوفان الأقصى، بدأ غزو القطاع بدبابات وطائرات إسرائيلية مسيّرة تقصف وتهد-م.
اضطُرت روضة وأسرتها الصغيرة الى النزوح من بيتها في مخيم جَبَاليا شرقي مدينة غزة بعد أن دمر القصف البيوت المجاورة. كان الخيار بين أن تبقى روضة في مسكنها الذي تضرر من القصف وأصبح مهددا بالانهيار، أو أن تنزح مع جموع النازحين! فخرجت مع أطفالها الثلاثة الصغار ياسر (ثمان سنوات) وخالد (سبع سنوات) وسندس (خمس سنوات).

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *