الصحفي مصطفى السيد
في زمن تتكاثر فيه الأصوات وتتنافس الكلمات، تبقى بعض الأقلام شاهدة على الوجع، وصانعة للأمل، ومرآةً صادقة لما يحدث خلف الجدران المغلقة وتحت دخان القصف.
من بين هذه الأصوات تبرز الكاتبة الفلسطينية ريم رمضان السلوت، ابنة غزة، التي جعلت من الكتابة ملاذًا، ومن الحرف مقاومة، ومن الألم نورًا ينبثق من بين الركام.
في هذا اللقاء، نغوص في أعماق رحلتها، ونرصد محطات الإلهام، والوجع، والرسالة الإنسانية التي تحملها كلماتها.
عرفينا بشخصك الكريم.
أنا ريم رمضان السلوت، كاتبة ناشئة من غزة – فلسطين. خريجة بكالوريوس إدارة أعمال بتقدير امتياز.
أعشق الكتابة وأؤمن أن الكلمة قادرة على صنع الأثر وتغيير القلوب.
حدثينا عن نشأتك.
نشأت في بيئة بسيطة، مليئة بالتفاصيل الصغيرة التي كانت دائمًا تُغذي خيالي.
كانت والدتي حريصة على شراء المجلات الشهرية، وكنت أنتظرها بفارغ الصبر لأغوص في صفحات قسم الخواطر، وأتمنى يومًا أن أرى اسمي منشورًا هناك.
كبرت وأنا أتابع برامج سبيستون، وكانت شاراتها وأسلوبها الراقي في اللغة العربية من أوائل ما غرس في داخلي حب الفصحى.
قضيت طفولتي ما بين الكتب والقصص، أعيش بعقلي في عوالم من الخيال… مما جعل ارتباطي بالأدب جزءًا من تكويني.
متى بدأتِ الكتابة؟
بدأت الكتابة في مراحل الدراسة الإعدادية، من خلال حصص التعبير في اللغة العربية، وكتبت مجموعة من قصص الأطفال في تلك الفترة.
خلال دراستي الجامعية، ازداد شغفي بالكلمة، وبدأت أشارك بعض نصوصي مع الأصدقاء.
لكن اللحظة الحقيقية التي شعرت فيها أنني “كاتبة” كانت عندما بدأت أنشر كتاباتي عبر صفحاتي على مواقع التواصل الاجتماعي، وأيضًا من خلال مشاركتي في كتابة تقارير إخبارية عن وطني الحبيب.
وفي النهاية… تُوّجت هذه الرحلة بإصدار كتابي الأول.
كم كتابًا لديكِ؟ وما أسماؤهم؟
حتى الآن لدي كتاب واحد بعنوان “ظلال النور.. مذكرات الإبادة”، وهو توثيق شخصي وإنساني لرحلتنا كغزيين خلال الحرب الأخيرة. يتناول الكتاب تفاصيل الحياة تحت القصف، مشاعر الخوف، النزوح، الأمل، والبقاء رغم كل شيء.
كما شاركت في كتاب دولي جامع لمجموعة من المؤلفين تحت عنوان “أنامل الصنديدة”، سيصدر لاحقًا بإذن الله.
من أكثر كاتب أثر فيكِ؟
تأثرت بكثير من الكتّاب، لكن من أبرزهم غسان كنفاني، الذي علّمني كيف تكون الكتابة سلاحًا للمقاومة، وجبران خليل جبران بلغته العميقة المليئة بالفلسفة والمشاعر.
وما زلت أؤمن أن كل كاتب صادق قرأته، ترك في داخلي بصمة لا تُنسى.
ما المواضيع التي تفضلين الكتابة عنها؟
أحب الكتابة عن الإنسان عن مشاعر الخوف والألم، عن الأمل الذي يولد رغم الحصار، عن تفاصيل الحياة اليومية البسيطة التي تخبئ خلفها ألف حكاية.
أكتب عن فلسطين، عن الهوية، عن الإيمان، وعن تلك القوة الخفية التي يمنحها الله لنا في أشد اللحظات ضعفًا.
من دعمكِ في مسيرتك الأدبية؟
كان والديّ الداعم الأول، وأخوتي آمنوا بكل حرف كتبته.
ثم جاء دعم صديقاتي، وكل من آمن بكلماتي من القراء على السوشيال ميديا.
ولن أنسى التعليقات المشجعة التي كنت أتلقاها بعد أولى منشوراتي… كانت تدفعني للاستمرار.
ما الصعوبات التي واجهتكِ ككاتبة؟
الخوف من الظهور، من ألا تصل كلماتي، من أن أكون مجرد صوت آخر وسط الزحام…
أيضًا، ظروف الحرب المستمرة في غزة… كانت وما زالت عائقًا كبيرًا… لكنها في الوقت ذاته مصدر إلهام لا ينضب.
كيف تتعاملين مع نقد القراء؟
أتقبّل النقد بكل حب، أؤمن أن الكاتب يجب أن يكون مرنًا، يستمع، يتعلم، ويطوّر من نفسه باستمرار.
النقد البنّاء بالنسبة لي هدية، أما النقد الجارح، فأتعامل معه بروح متسامحة، وأعلم أنه مجرد رأي لا يعبّر عن الحقيقة المطلقة.
هل تكتبين بشكل يومي؟
لا أكتب يوميًا بشكل منظم، ولكنني أكتب متى ما زارتني الفكرة أو اجتاحني الشعور.
عندي مسودات كثيرة متناثرة، في الهاتف، في الدفاتر، وحتى على قصاصات الورق.
الكتابة بالنسبة لي لحظة حياة، لا تأتي بالجدول، بل تأتي بالنبض.
ما حلمك ككاتبة؟
أن تصل كلماتي إلى قلوب من يحتاجونها.
أن أرى كتبي القادمة تنشر وتصل لأماكن لم أزرها من قبل.
وأن أكتب يومًا عن “فلسطين وقد تحررت” عن النصر وعن الأمل الذي تحقق.
هل هناك أشياء يومية تلهمك؟
نعم، تفاصيل بسيطة جدًا:
ضحكة طفل رغم صوت الطائرات، دعوة أمي، رسالة من قارئة تقول لي إن نصًا من نصوصي مسّ قلبها.
وأحيانًا، مجرد غروب شمس من شرفة بيتي كفيل بأن يوقظ في داخلي ألف فكرة.
هل شعرتِ يومًا بالرغبة في التوقف عن الكتابة؟
كثيرًا، خاصة بعد الأحداث المؤلمة.
أحيانًا أشعر أن الحروف أصبحت ثقيلة، وأن الكلام فقد معناه.
لكن سرعان ما أعود، لأن الكتابة بالنسبة لي ليست رفاهية، هي طوق نجاة.
كلمة أخيرة
إلى كل من يقرأني الآن، لا تتوقفوا عن الحلم.
ولا تترددوا في التعبير عن أنفسكم.
حتى في أصعب اللحظات، هناك دائمًا نور، وهناك دائمًا أمل.
وتذكّروا…
“لأن لك ربًّا، لا تموت الأحلام”
![]()
