الكاتبة داليا موسى أحمد حسين
كان يجلس على الكرسيّ الخشبي المقابل كلّ صباح، يحمل فنجان القهوة التي لا يشربها.
لم يكن بيننا الكثير من الكلمات، لكنّ الصمت بيننا كان أحنّ من الكلام.
وفي صباحٍ عاديّ تمامًا… لم يأتِ.
ومنذ ذلك اليوم، ظلّ الكرسي فارغًا، وظللتُ أفتّش عن نفسي في غيابه.
كان يرسل إليّ الرسائل كل مساء، يطمئنّ على حالي، ويخبرني برغبته في لقائي بالمقهى.
كنتُ أعلم جيدًا أنّه لا يحب القهوة، لكنه كان يطلبها فقط لأجلي.
كان يقول إنّه سيحبني إلى الأبد، وقد صدّقته.
رأيته حصني الذي ألوذ به من أذى الدنيا،
ورسمت له داخلي ألف مكانٍ يسكن فيه قلبي.
لكن، بعد فترةٍ قصيرة من كل تلك الوعود التي ظننتها صادقة… رحل.
رحل بصمت، بلا وداع، بلا سببٍ واضح، وترك خلفه كل التفاصيل الصغيرة تمزّقني.
كنتُ أذهب إلى المقهى كلّ صباح،
أحدّق في الكرسي الفارغ،
وأختلق الأعذار لغيابه.
ربما تأخّر، ربما نسي، ربما منعته الحياة.
لكنني في قرارة نفسي… كنتُ أعلم.
ثم، ببطء، بدأتُ أنسحب.
توقّفتُ عن الذهاب،
لم أعد أفتّش عنه في الوجوه،
ولم أعد أفتح هاتفي كل مساء بانتظار رسالة.
بدأتُ أشفى، وإن كان الألم ثقيلًا.
وفي صباحٍ غائم…
جاءني إشعارٌ على هاتفي.
رسالة من رقمٍ لا أعرفه.
فتحتها، فكانت صورة.
هو، يبتسم،
يمسك يد امرأةٍ أخرى،
وخلفهم… الطاولة ذاتها التي جمعتنا يومًا.
وكانت مرفقة بكلماتٍ قصيرة:
الحبّ الحقيقي يأتي مرة واحدة… وأخيرًا وجدته.
تجمّدت… لم أُصدّق.
ثم تساءلت:
لماذا الآن؟
لماذا بعد كل هذا الصمت؟
أحقًا اشتاق؟
أم شعر أنّني بدأتُ أبتعد… فأراد أن يكسِرني؟
أدركتُ حينها أنّه لم يعد لأنّه يحب،
بل عاد فقط… ليؤكّد أنني ما زلت تحت سلطته.
عاد حين شعر أنني بدأت أنجو،
ليُعيدني إلى الحفرة التي خرجتُ منها بشقّ الأنفاس.
تُرى…
هل كان يراقبني بصمت؟
هل أراد أن يُطفئ شمعة التعافي الوحيدة التي اشتعلت داخلي؟
ربما…
لكنني أدرك الآن…
أنّ بعض الناس لا يعودون إلينا،
بل يعودون فقط… ليتأكدوا أننا لم نغادرهم تمامًا.
ذلك اليوم، لم أذهب إلى المقهى.
لم أبكِ.
فقط…
أغلقتُ هاتفي،
وجفّفتُ كلّ ما تبقّى مني.
ونظرتُ إلى الكرسيّ الفارغ…
ولأول مرة، لم أفتّش عن نفسي فيه.
![]()
