الكاتبة خولة الأسدي
“الذين يغيبون دون وداع، يتركون فينا أبوابًا تُفتح كلما ظننا أننا أغلقناها.”
فنكتشف على نغم أغنيةٍ خطأ ظنوننا، وتتفجر في أعماقنا ينابيع اشتياقٍ كاويةٍ، تجرف حطام ثباتنا المدّعى الذي يتهاوى أمام سحر صوت ملك الإحساس فضل شاكر، وهو يردد:
“بغيابك لعبت الشوق، وغلبني، وغلبني”
فيرفع الفؤاد رايات استسلامه، مصدقًا لهزيمته المغنّاة، ووجعه الذي يُردد على مسمعه بصوتٍ آخر كأنه صوت مشاعره المغلوبة!
“وآه منه الشوق”
يهمس بها ابن شاكر، فتردد الجوارح خلفه: آه منه!
وما أدراك ما “آه” الشوق، ومقدار ما تختزنه من وجعٍ تعجز أمامه الأبجدية!
“ما بقيتش أنا قد بعادك
ولا قلبي قد الشوق
بل إني لم أكن حِمل حبي في وجودك، فكيف وقد اجتمع عليّ الحب والغياب؟
يا متحجر الفؤاد، الذي لا يفقه من لغة المشاعر حرفًا، كيف لي أن أوصل إليك إحساسي، وأجعلك تشعر بما أقاسيه؟
“لما يفكرني بعنيك
دوبني، دوبني
لو تعرف سحر عنيك
يا اللي مطوّل بعنادك
قلبك ما يهونش عليه”
ولا أظنك إلا تعرف، ولكن هل تتساوى المعرفة بالإدراك؟
ذلك ما لا أظنه!
نعم، أنت تعلم أي سحرٍ تمتلك، وتجيد استغلال ذلك جيدًا، وتُمتع ذاتك السادية بتعذيب الآخرين به، ولكن ما لا تدركه هو ما تُسببه من وجعٍ، فلا أظنك كنت لتستمر بلا مبالاتك الباردة، وتصرفاتك العابثة، لو كنت مجربًا لهاته المشاعر الحارقة الموجعة.
“قل للقمر: إن البعاد بيعذب العشاق
طب ليه يعذبني؟”؛ وقد آليت على نفسي نسيانك، ونبذ هذا الطريق؟!
وقد وأدت مشاعري حيّة، ولم أقف لأتباكى على أطلالك؟
وقد خِطتُ جراحي التي تسببتَ بها، وبدوت شخصًا آخر بالندوب التي خلّفتها في روحي؟
أم تظن تنكري لم يكن كافيًا، وما زلت من زمرة العشاق رغمًا عن أنفي؟
هل تظن؟
“زي البحر لو جيت معاه بعناد
موجه يغرقني”
هكذا هو قلبي تمامًا، لا عناد يُجدي معه، ولا منطق ينفع!
كأنه أخذ عهدًا على نفسه أن يميتني ولهًا، ولا سبيل لثنيه عن ذلك!
يُسارع إلى حتفه بطريقةٍ انتحاريةٍ لا أملك أمامها سوى النظر بخوفٍ وذهولٍ، وأنا أتصور العواقب الوخيمة لتهوره، وأبكي كرامتي المغتالة، وكبريائي المجني عليه، اللذين لم أستطع إنقاذهما من جبروت فؤادي الأخرق، المعمي بمشاعره!
“قل لو كلمة يا حبيبي
طمني، طمني”
طمئن روحًا مفجوعةً بغيابك الذي لم تتوقعه، وهي التي نذرت عمرها لحبك دون أن تطمح لمقابلٍ من كيانك المتصحر!
“طمني، طمني”!
![]()
