...
Img 20250728 wa0025

الكاتبة منال ربيعي 

 

 

كنتُ أمرُّ كعادتي أمام المرآة… لا أنتبه لشيء، حتى لمحتُ ظلًّا صغيرًا خلف الزجاج، لم أره منذ دهر.

توقفتُ، اتسعت عيناي، وامتدت أصابعي المرتعشة نحوي، لكن تلك التي مدّت يدها من الجهة الأخرى لم تكن أنا… بل كنتِ أنتِ.

 

أنتِ، يا أنا حين كنتُ أختبئ تحت الطاولة لأهرب من ضجيج العالم.

أنتِ، بجديلتك الصغيرة، وبقايا فُتات البسكويت في كفّك.

أنتِ، التي كنتِ تظنين أن القمر يتبعكِ لأنكِ الوحيدة التي تبتسمين له.

 

نظرتِ إليّ بتوجّس… ثم سألتِ بصوتٍ أعرفه:

“لماذا تبكين بصمت؟ ومتى انطفأتِ؟ ومَن سرق الألوان من ثيابك؟”

 

لم أعرف كيف أُجيبكِ.

فأيُّ جوابٍ يكفي لتفسير خيبات الكبار؟

أيُّ كلمات تشرح لكِ كيف يُذوّب الواقع أحلام الطفلة التي كانت تظن أن العالم ساحةُ رمل وسماءٌ مشرّعة للضحك؟

 

قلتُ لكِ بعد صمتٍ طويل:

“كبرنا يا صغيرة… كبرنا، ونسينا أن نكمل اللعبة.”

 

همستِ لي:

“لكننا ما زلنا في المرآة نفسها… نفس العينين يا منال، أتذكرين؟”

 

نعم… تذكرت.

تذكرتُ كلّ ما كان…

وعدتُ أن ألمّ شعري كما كنتِ، أن أركض خلف الفراشات في خيالي، أن أكتب على الحيطان بالحروف القديمة،

وأن أترك للسلام بابًا مفتوحًا في قلبي… لأجلكِ، ولأجلي.

 

أطرقتُ للحظة وأنا أُحدّق فيكِ…

كانت ملامحكِ صافية كصباحات القرى،

تحملين في عينيكِ دهشةً لم تمسسها خيبة،

وفي قلبكِ طمأنينةُ من كانت تؤمن أن الجميع طيّبون، وأن النهر لا يخون مجراه.

 

قلتِ لي:

“هل ما زلتِ تكتبين الحكايات؟”

فارتبكتُ…

كيف أخبركِ أني، في زحمة الحياة، نسيتُ أسماء الجنيات، وأن أوراقي باتت تمتلئ بحكايات الفقد بدلًا من أبطال الخير؟

 

لكنّكِ، كعادتكِ، سبقتِني بلطفكِ:

“ما زلتِ قادرة، فقط عودي لتكتبي لي أنا، كما كنتِ تفعلين.”

 

آه يا أنا…

يا أنثاي الأولى،

يا كلّ الحنين الذي أخفيته في دفتري المخمليّ تحت الوسادة.

 

أتعلمين؟

أحيانًا أشعر أني أكتب كي أصل إليكِ،

كي أطمئن عليكِ،

كي أقول لكِ: “أنا بخير، رغم كلّ ما مرّ… لم أمتُ تمامًا.”

 

وها أنتِ، في تلك اللحظة، تبتسمين لي…

ترفعين يدكِ الصغيرة لتلمسي وجهي من خلف الزجاج.

وفي عينيكِ… أرى المواساة التي تمنّيتها من العالم كله.

وفي صوتكِ أسمع:

“لا بأس، لقد كبرتِ كثيرًا… لكنني ما زلتُ هنا.

وحين تتعبين… تعالي إلى المرآة،

وأعدكِ أن أفتح لكِ باب الحلم من جديد.”

 

غادرتُ المرآة بخطى بطيئة…

لكن شيئًا في صدري كان قد استيقظ.

تلك الطفلة لم تكن صورةً منسية، بل كانت جذري الأول…

 

هي من كانت تركض في فناء بيتنا الطيني، تلاحق ظلَّ جدّي وهو يروي لها كيف أن شجرة الجميز في آخر الحقل تخبّئ عرش الجنّ الطيبين،

وكيف أن أبا زيد الهلالي مرّ من هنا، وعلّق سيفه في المسقوفة ليبارك البيت.

 

تلك الطفلة كانت تصغي لحكايات أمّها قبل النوم:

عن الأمير الذي زار معبد إدفو خلسةً، ووقع في حب كاهنة تلبس نقوش حتحور،

عن الجنيّ الذي يسكن المرآة، ويُحب أن يُهدى إليه الحلوى ليلة الجمعة.

 

كانت تنام على صوتهما: أبي وأمي،

يقرآن لها ما تحفظه الذاكرة أكثر مما تقرأه العين،

وكلّ ذلك كان يصنع لي، ببطء، مملكةً كاملةً من الكلمات.

 

كنتُ أكتب في الدفاتر الصغيرة عن الآلهة التي تحزن،

عن سخمت التي بكت فصارت دموعها نيلًا،

عن إيزيس التي جمعت أشلاء حبيبها من الريح،

عن مينا الذي وحّد البلاد كما يُلملم الأب أبناءه من العاصفة.

 

واليوم، وأنا أستعيد ملامح تلك الطفلة في مرآةٍ لم تعد صامتة،

أفهم لماذا كنتُ أكتب دومًا عن النهايات المفتوحة.

لأن جدّي كان يقول:

“كلّ حكايةٍ تفتح بابًا لحكاية أخرى، فلا تُغلقي الأبواب يا منال.”

 

والآن…

أعدكِ، أيتها الصغيرة التي تسكنني،

سأكتب لكِ أكثر، وسأروي أساطيرنا لأطفالي،

وسأحمل دفاترك القديمة معي،

وأعلّق على باب قلبي لافتةً تقول:

“هنا تسكن الحكاية.”

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *