الكاتبة منال ربيعي
كنتُ أجلس على طرف السرير، أُصلح شقًّا في ذاكرتي…
ربما كان شقًّا في قلبي أيضًا.
وحين رفعتُ رأسي، رأيتكِ.
كنّتِ واقفة أمامي، بثوبٍ مُطرّز من يد أمي.
كنتُ أرتديه يوم ذهبتُ مع جدي إلى السوق لشراء حكاية جديدة.
كان شعركِ مربوطًا بشرائطٍ حمراء، ويدكِ تمسك دميتكِ المصنوعة من قماشٍ قديم وجدتيه في درج المطبخ،
وكنتِ تنتعلين حذاءً أبيض اخترتِه بنفسكِ من محلٍّ صغير عند زاوية السوق،
ذاك اليوم الذي شربتِ فيه عصير القصب مع أبيكِ على الرصيف،
وقال لكِ: “خديه يا منولة، ده هيعيش معاكي حكايات كتير.”
نظرتِ إليّ بدهشة…
ثم ملتِ برأسكِ قليلًا وقلتِ:
“هل تذكرينني؟”
تجمّد كل شيء داخلي.
قلتِها مرة أخرى، لكن هذه المرة بصوتٍ غاضبٍ يقترب من البكاء:
“أنا التي كنتِ تنادينها لتكتب لكِ عن النهر، وعن قطة الجيران.
أنا التي كنتِ تسرقين بها حكايات جدك وتخبئينها تحت الوسادة…
أنا التي كنتِ تحلمين بها أن تسيري بين مقابر سقارة، وتسألي الملوك: كيف صعدتم إلى النجوم؟
أنا التي كنتِ تضحكين بها مع أمكِ حين تخبز العيش، وتطاردين رائحة السمن البلدي حول التنور.
أين ذهبتِ بي؟”
كنتُ أريد أن أقول شيئًا…
لكنني شعرتُ أن لساني قد نسي الطريق إلى اللغة.
اقتربتِ أكثر، ولمعت عيناكِ الصغيرة مثل مرآةٍ لا ترحم.
قلتِ:
“لماذا تغيّر صوتكِ؟
متى صار خائفًا؟
ولماذا لم تعودي تكتبين لي القصص؟
أين الورق الذي كان يحمل أساطيرك؟ أين هم ملوككِ؟
لماذا هجرتِ الإلهة التي فيكِ، وصرتِ تقرئين الأخبار بدلًا من النجوم؟”
مددتُ يدي نحوكِ… لكنها لم تصل.
بيننا مسافة لا تُقاس بالسنوات، بل بالخذلان.
همستُ أخيرًا:
“الحياة يا صغيرتي… ثقيلة.
سرقت مني الأحلام كما تسرق الأمطار سقف الطين.
مرّ بي من لا يؤمن بالحكايات، ومن يسخر من البسطاء،
ومن لا يفهم ما معنى أن أكتب لأُشفى.”
هزّيتِ رأسكِ، ثم قلتِ بغضبٍ هادئ:
“لكنكِ وعدتني ألا تتركيني…
قلتِ إنكِ ستأخذينني معكِ حين تكبرين،
فلماذا نسيتِ الطريق إليّ؟”
سقطتُ على ركبتيّ.
بكيتُ كما لم أفعل منذ أن رحل جدي،
كما بكيتُ عندما طهت أمي لي أرزًا بالسمن وأنا مريضة، وظننتُ أن العالم كله في تلك الملعقة.
قلتُ لكِ أخيرًا:
“لم أترككِ، فقط تهتُ عنكِ…
ضاعت مني الروائح، والأصوات، والألوان التي كنا نحبها معًا.”
اقتربتِ، وضعتِ يدكِ على خدي، وقلتِ:
“أنا ما زلتُ هنا…
في صوت أمكِ وهي تغني على السطح،
في ضحكة أبيكِ وهو يقول: البنت دي حبيبة أبوها،
في رائحة مخزن جدكِ المليء بالحكايات،
وفي الدفتر اللي خبّيناه سوا تحت السرير.”
ثم همستِ:
“إن أردتِ أن تجديني…
فعودي لكتابة الحكاية،
وستجدينني هناك…
أجلس في الصفحة الأولى، وأنتظركِ.”
![]()
