...
Img ٢٠٢٥٠٧٢٩ ١٣٤٨٤٥

كتب: حسين العلي 

في عصر تحكمه الشاشات وتختصر فيه المسافات بكبسة زر، أصبحت الكتابة وسيلةً جديدة للصداقة، وأداة لبناء جسور مع بشر لم نلتقِ بهم يومًا. نحن نكتب، فنصل إلى قلوب وعقول قرّاء في أماكن لم تطأها أقدامنا، ولم نرَ أهلها، لكن كلماتنا تعرفهم ويعرفوننا من خلالها.

لقد تحول الإنترنت إلى ساحة كبرى يتشارك فيها الناس الأفكار والمشاعر والمواقف. وباتت منصات التواصل منابر مفتوحة يتحدث فيها الجميع، لكن قلّ من يعي أن كل ما يُكتب ويُنشر يُحتمل أن يُقرأ من قبل آلاف، وربما ملايين البشر من خلفيات مختلفة، وثقافات متباينة، وأديان متعددة.

وهنا تنبع المسؤولية: فأنت حين تكتب، لا تمثل نفسك فحسب. مع الغريب تمثل أسرتك، ومع الأجنبي تمثل وطنك، ومع غير المسلم تمثل الإسلام وأهله. كل كلمة تخرج منك تُحمّل على ظهرك وزن تمثيل أوسع مما تظن. فكم من كلمة مسيئة صدرت عن مسلم، فقيل “هكذا هم المسلمون”، فتنفّر الناس وتغلق أبواب الهداية. وكم من كلمة طيبة مهذبة حكيمة، فتحت قلوبًا، وأثارت إعجابًا، وأشعلت شمعة بحث عن الحق.

إن الكلمة سلاح ذو حدين، وهي صدقة، كما أنها قد تكون وزرًا. وأثرها لا يزول بانطفاء الشاشة أو انتهاء الجلسة. فكل منشور يبقى، وكل تغريدة تحفظها الخوادم، وكل تعليق قد يصل إلى من لا يخطر لك على بال.

من هنا، نحتاج إلى وعي جماعي بأهمية الكلمة في هذا العصر الرقمي. لا تكتب وأنت غاضب، ولا تعلق وأنت منزعج، ولا ترد إلا بما يليق بمقامك ودينك وأهلك. انتقِ حروفك كما تنتقي ثيابك، فالكلمة مرآة للعقل، وصدى للقلب، وصورة للعقيدة.

وقد وعد الله عزّ وجلّ أن لا يضيع أجر من أحسن عملاً. فكل من دعا إلى الله بكلمة، أو دلّ على الحق بعبارة، أو ألّف بين القلوب بنص صادق، فله أجر من قرأ ووعى وعمل. وكذلك كل من صدّ عن السبيل، أو أثار فتنة، أو أهان دينه بسوء منطقه، فعليه وزر من تبعه في ضلاله.

فلنحسن سفارة أنفسنا وأهلنا وديننا. ولنجعل من أقلامنا جسور محبة لا سيوف قطيعة، ومن كلماتنا مفاتيح قلوب لا مغاليق صدور. الكلمة مسؤولية، وهي اليوم أسرع من الرصاصة وأشد وقعاً من السيف.

فيا كل صاحب كلمة، ويا كل من يكتب، ويا من ينشر مقولة أو يشارك رأيًا: أنت اليوم لست مجرد شخص بين ملايين، بل رسول فكرة، وسفير أخلاق، وصوتٌ يسمعه من لا تعرف. فلا تستهِن بما تنشر، فقد يُحيي كلمة منك قلبًا، أو يُطفئ تعليقك نور بصيرة.

كما أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، فإنه لا يغفل عمّن أساء. فاجعل ما تكتبه في صحيفتك نورًا لا ظلامًا، وذكرًا لك لا عليك، وشاهدًا لك لا خصيمًا يوم تلقى الله.
فكلنا راحلون… وكلماتنا تبقى.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *