...
Img 20250730 wa0004

على ضوء الألم تولد الأحلام

الكاتبة آلاء العقاد

 

في أحد أحياء غزة المتواضعة، عاشت ماريا وسط أسرة بسيطة تتكون من والديها وثلاثة إخوة. كانت فتاة في الثالثة والعشرين من عمرها، هادئة الطبع، مجتهدة في دراستها، يملأ قلبها حلم جميل أن تصبح طبيبة تعالج المرضى وتضمد جراح المصابين. كل من يعرفها أحبها، فقد كانت مطيعة، مختلفة عن أخواتها، تنصت وتفعل ما يُطلب منها بكل محبة.

 

لكن الحياة لا تسير دومًا كما نحلم…

مرت الأيام وفقدت ماريا والدها، الأب الذي كان السند والظل. كان رحيله مؤلمًا، وترك على عاتقها مسؤوليات لا تُحتمل. أصبحت فجأة مسؤولة عن نفسها وأخواتها، في وقتٍ كانت فيه الظروف تحاصرهم من كل جانب. شعرت بثقل الحياة فوق كتفيها، لكنها لم تسمح للحزن أن يسرق منها حلمها. قاومت.

 

رغم كل شيء، دخلت الجامعة، وبدأت خطواتها الأولى نحو تحقيق ما كانت تراه في أحلامها. درست بجد، تحدّت الظروف، وقاومت المعاناة والمآسي التي كانت تنهال عليها من كل اتجاه. وعندما تخرجت أخيرًا من الجامعة، كانت الدموع في عينيها حلوةً مرةً… حلوة لأنها أنجزت ما حلمت به، ومرة لأن والدها لم يكن هناك ليشاركها فرحتها.

 

بعد تخرجها، لم يكن الحصول على فرصة عمل أمرًا سهلاً، لكن بالصبر والإصرار، بدأت عملها في أحد المستشفيات كطبيبة. كانت تخدم الناس وتداوي جراحهم. ورغم أنها لم تمكث طويلًا في عملها، إلا أن بصمتها كانت واضحة في كل زاوية من زوايا المستشفى.

 

وفي أحد أيام العدوان الغاشم على غزة، كانت ماريا في المستشفى تعالج الجرحى، تداوي آلامهم وتُسعف قلوبهم النازفة. فجأة، وصلها الخبر القاسي: أخواتها كانوا من بين الشهداء.

 

انهار العالم من حولها، لكن ماريا لم تنهار…

استقبلت النبأ بالحزن العميق، وبصبر المؤمن، وبقلب أمٍ فقدت أبناءها.

 

أصبحت وحيدةً مرة أخرى، في ظل عدوان لا يتوقف، وسط مجاعة تحاصر غزة من كل جانب، وبين أنقاض مدينة تتنفس الألم.

 

لكن ماريا لم تستسلم.

ظلت قوية.

ظلت تنبض بالحياة رغم الجراح.

واستمرت.

 

ماريا… كانت وما زالت مثالًا للقوة، للمرأة التي لا تنكسر، للطبيبة التي لا تترك الميدان، وللحلم الذي ينهض دومًا من تحت الركام.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *