...
Img 20250609 wa0030

 

بقلم الاء العقاد 

 

في زاوية صغيرة من قريتنا، كانت واقفة زيتونة كبيرة، أقدم من كل البيوت اللي حواليها. كانت الشجرة هاي مش بس شجرة… كانت شاهد على العمر، وعلى الحرب، وعلى الغياب.

 

ستي كانت دايمًا تحكيلي عنها:

“هاي الشجرة يا ستي، زرعها جدّك قبل ما يتهجّر، وكان يحكي: ‘طالما الزيتونة صامدة، إحنا راجعين.'”

 

كبرت وأنا كل سنة أستنا موسم الزيتون، مش بس عشان نلمّ الحب، بس لأنو الموسم كان يجمعنا. العيلة كلها ترجع من المدن، حتى اللي مهاجرين، يرجعوا لهون، ولو لأسبوع.

وكان دايمًا في سطل بلاستيك أخضر كبير، تِملى فيه حبّات الزيتون، وإحنا نغني حواليه:

 

> “هزّي يا زيتونة… حنّا رجعنا اليوم،

بالحب والإصرار… نرجّع كلّ محروم”

 

 

 

وفي موسم من المواسم، رجع ابن عمّي اللي تهجّر من سنين. نزل من السيارة، حافي، حضن الشجرة، وبكى.

قال:

“يمّا… كنت أحلم بهاي اللحظة كل ليلة.

رجعت مش عشان البيت… رجعت عشان الزيتونة،

رجعت عشان ريحة الأرض، اللي ما فارقتنيش يوم.”

 

قعدنا نلمّ الزيتون سوا، وهو يحكيلي كيف كان يحضن تراب حديقة غريبة، بس ما كان يحس بشي.

“الغربة ما فيها زيت، ولا فيها دفى، ولا فيها صوت أمّ بتنده،

الغربة برد… حتى لو كانت الشمس طالعة.”

 

وفي نهاية اليوم، لما عصرنا الزيت، حطّ نقطة ع الخبز، أكلها وهو ساكت… بعدين همس:

 

“طعم الرجعة… زيت بلادي.”

ومن يومها، صارت الزيتونة مش بس شجرة…

صارت وعد.

إنو مهما بعدنا، راجعين.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *