الكاتب حسين العلي
لم تكن القراءة يومًا مجرّد تمرير العين على الحروف. هناك فرق شاسع بين من يقرأ ليضيف سنوات إلى عمره الورقي، ومن يقرأ ليضيف حياةً إلى نصوصه. كنتُ من النوع الأول، حتى اكتشفتُ أن القراءة – مثل الحب – لا تُقاس بالكم، بل بالكيف، وبالقدرة على التحويل.
1. القراءة التشريحية: حين تصبح الكلمات جثثًا نتعلّم منها
توقفتُ عن الانبهار السطحي. صرت أفتح الكتب بمشرط الناقد، لا ببراءة القارئ العادي. كل جملة أصبحت عينة تحت المجهر:
لماذا اختار الكاتب هذه الصفة بالذات؟
كيف بنى التوتر في هذا المشهد؟
ما الذي جعل هذه الجملة الأخيرة تلتصق بالذاكرة؟
كنتُ أدوّن ملاحظاتي كما يفعل طالب الطب في كراسه التشريحي، غير أن جثثي كانت نصوصًا، وأدواتي كانت قلمًا وأسئلة لا تنتهي.
2. البحث عن الكنز
لم أعد أقرأ “فقط لأقرأ”. صار لكل كتاب غاية محددة:
هذا الروائي يعلّمني كيف أنسج حوارًا حيًّا.
هذه المجموعة الشعرية تفكّك لي لغز الصورة المجازية.
تلك المقالة النقدية تريني كيف تُبنى الحجة بأقل الكلمات.
أصبحت الكتب مثل ورشات عمل: أدخل إليها لأتعلّم حرفة، لا لأقتل الوقت.
3. تغيير الألوان في مكتبتي
مزجت بين الروايات والشعر، بين المقالات السياسية واليوميات الشخصية، بين النصوص النقدية والحكايات الخيالية. وحين تعددت الأشكال، صار أسلوبي لوحة تحمل أكثر من لون.
اكتشفت أن كتاباتي كانت مسطّحة لأن قراءاتي كانت متشابهة، وحين بدأت أخلط:
الفلسفة مع الرواية البوليسية.
الشعر الكلاسيكي مع السير الذاتية لرواد الأعمال.
النصوص الدينية مع الكتابة الساخرة.
عرفت أن الأسلوب – مثل المناعة – يقوى بالتعرض للفيروسات، لا بالعزلة عنها.
4. دفتر الجواهر أو “السرقة المشرّفة”
أنشأت ملفًا سريًا للجمل التي أثارت غبطتي. لم أكن أقتبسها، بل أحللها: هل السر في التشبيه؟ أم الإيقاع؟ أم المفارقة؟
ثم أجرّب كتابة نص بأسلوب مشابه لكن بمضمون مختلف. شيئًا فشيئًا تحوّلت “السرقة” إلى ابتكار.
5. الكتابة الساخنة
تعلمت ألا أدع أثر القراءة يبرد. إن أغلقت كتابًا، فتحت دفتري فورًا لأصف مشهدًا، أو أكتب فقرة، أو أقلّد أسلوبًا وأعيد صياغته. الإلهام مثل الزئبق، يتبخّر إن لم تُمسكه بسرعة.
صارت عادتي:
أقرأ صفحة.
أغلق الكتاب.
أكتب فقرة والحرارة لا تزال في رأسي.
هكذا تحوّلت القراءة من استهلاك إلى إنتاج فوري.
6. جعل القراءة موعدًا مقدّسًا
لم أعد أقرأ متى اتفق، بل في ساعة محددة كل يوم، كطقس لا يُؤجَّل. عشر صفحات يوميًا – بتركيز – صنعت بعد عام مكتبة كاملة في ذهني، ورسّخت في يدي أدوات لم أملكها من قبل.
7. القراءة في مرآة الآخرين
انضممت إلى مجموعة قراءة، فاكتشفت أن ما أراه عاديًا قد يراه غيري عبقريًا، وما يدهشني قد يمرّ على آخرين بلا أثر. هذا علّمني أن الكتابة الجيدة تترك مساحات للقارئ ليملأها بتجربته.
8. القراءة بصوت عالٍ: حين تسمع عثراتك قبل أن تراها
بدأت أقرأ نصوصي – ونصوص غيري – بصوت مرتفع، فأدركت الجمل التي تتعثّر فيها اللغة، والكلمات الزائدة التي تشبه الشخير في منتصف الجملة، والإيقاع الذي يجعل النص يتدفق مثل الموسيقى.
9. النقد كنافذة إضافية
لم أكتفِ بالنص، بل بحثت عمّا كُتب عنه. المراجعات والتحليلات كشفت لي طرقًا في البناء لم أكن ألاحظها، وأحيانًا حتى رسائل الكاتب الشخصية. هذا المنظور الخلفي أطلعني على كيف يُولد النص من دم الكاتب وحياته، وجعلني أكتب بعينين بدل واحدة.
الخلاصة: القراءة كعملية تحويلية
القراءة التي تصنع كاتبًا ليست تراكمًا، بل تخميرًا. مثل الخمر، تحتاج إلى وقت، ووعاء مناسب، وتحليل للعناصر. الفارق بين القارئ العادي والكاتب أن الأول يستهلك النص، أما الثاني فيهضمه ثم يفرز نصًا جديدًا يحمل بصمته وبصمة من قرأ لهم.
هكذا، لم تعد الكلمات تُكتب، بل تُنسج. ولم أعد أنا من يكتبها، بل صارت هي التي تكتبني.
![]()
