...
Img ٢٠٢٥٠٨١٦ ٠٠١٤٥٨

الكاتبة:سوسنا زاهر فوزي يواقيم

وحينما تظن أنك قد غفرت، ثم تنظر إلى هؤلاء الأحباب السابقين، تتألم بألمٍ مختلف؛ ألمٍ يدفعك لمغادرة كل شيء وتركه لهم.

تشعر أن قلبك غفر، لكنك لا تستطيع ممارسة ذلك الغفران، والدليل هو استعدادك للترك الكامل والبقاء بعيدًا، حتى وإن كانت خسارتك أضعافًا بسبب هذا الترك. فالوضع شاق للغاية، لدرجة أنك حينما يتسللون إلى أفكارك، تضع يديك على رأسك وتضغط بقوة، ليتغلب وجع رأسك على وجع أفكارك، ثم تغمض عينيك وكأنهم أشياء مخيفة تنفر منها بشكل لا إرادي، كرهبتك من المرتفعات أو الأماكن المغلقة… إلخ.

كل ذلك لمجرد مجيئهم إلى ذاكرتك، فكيف تستطيع معاشرتهم استسلامًا لواقع يجبرك على الاحتكاك بهم، بسبب تداخل الأحداث وتشابك الواجبات؟!
حينها تقرر الهروب بضميرٍ موجوع، لأنك تريد الغفران بالفعل، لكنك تنتكس حين تحاول ممارسته.

فتتملكك الحيرة المُرّة بين إدراكك أن محاولة إيقاظ الميت لا تفيد، وبين إدراكك أن مفتاح الصحة الروحانية والنفسية هو التصالح. وهنا تقف في مفترق الطرق:
هل تكف عن المحاولة وتهرب بحياتك فتنجو؟ أم تبقى لتواجه حتى تنال قدرًا كافيًا من التصالح يمكّنك من ممارسة الغفران؟

وبعد طول حيرة، تظل آذانك تلتفت يمينًا ويسارًا بحثًا عن كلمة واحدة ترشدك، لكنها لا تجدها. ليس لأن من حولك بلا حكمة، بل لأن حكمتهم تسير في طرق تختلف عن الطريق الذي تبحث عنه.

وحين تعجز آذانك، يبدأ قلبك بالتسلل إلى قلوب الحكماء أنفسهم، لكنه لا يجد ما يطمئنه أو يرشده ليختار أي طريق يسلك، وأي منهج يقتدي به. عدم إيجاده ليس لأنهم بلا حكمة أيضًا، بل لأنهم لا يفهمون ما تبحث عنه. وربما واجهتَ أنت صراعًا مختلفًا، إذ مررت بتجربة مألوفة للجميع، لكنك لا ترغب أن تمر بها مرورًا عاديًا، بل تسعى لاستخلاص “درس الغفران” من منظور مختلف عن المعتاد.

ربما ينقصك بعض البساطة، وربما رحمة الله لامست جزءًا زائد الحساسية من أعماقك، فكان صراعك قاسيًا بسبب عمقك مع الله، لا بسبب تعقيدك للأمور… وربما.

وحينما لا تجد سبيلًا، تقرر أن تتكلم بصراحة، لترشد الحكماء إلى اتجاه الحديث الذي تود سماعه. لكنك تُفاجأ بعدم معرفتهم. وهم لا يعرفون، لا لأنهم جهلاء، بل لأنهم لا يهتمون بما تهتم أنت به.

وبعد أن تدرك أنك غارق في أعماق الحيرة، تلجأ إلى فراشك أيامًا وفترات طويلة، تحاسب نفسك وتكبح شرها إن كان فيها شر. لكنك تزداد حيرة، لأنك تتعاطف مع قلبك تارة، ثم تقتنع أحيانًا بأن أولئك الأحباب الذين آذوك وذبحوك بالفرص المتكررة، قد يستحقون فرصة أخرى… ولا بأس إن عشت معهم مرة إضافية.

إلا أن تلك الحيرة المعقدة تدفع الدموع إلى الانهمار، علّها تفرغ العقل أو تريح القلب أو تمحو الذاكرة. لكن لا شيء جيد يحدث سوى ألم جسدي عنيف.
فتقرر تأجيل محاولة ممارسة الغفران، لتعيش التسليم لله، فأنت على يقين أنك ستستطيع أي شيء ما دمت قد اخترت الله، فالله معك ويقويك.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *