...
Img 20250811 wa0004

الكاتب المبدع حسين العلي 

يقول المثل الإنكليزي: “خطأ الطبيب يُدفن تحت الأرض، وخطأ المهندس يقع على الأرض، أما خطأ المعلم فيسير على الأرض.”

عبارة قصيرة، لكنها كفيلة بأن توقظ القلب، وتوقّع في العقل رجفةً من الوعي.

 

فالطبيب إذا أخطأ، يُطوى الجسد في ثرى، ويُغلق الملف عند شواهد القبور، كأن الزمن وضع نقطة النهاية.

والمهندس إذا أخطأ، يهوي جدار أو جسر، فيُرمَّم أو يُزال، وينسى الناس المشهد مع مرور الأيام.

لكن المعلّم… آهٍ من المعلّم إذا أخطأ… فإن خطأه يولد في عقل غضّ، ثم يكبر، ويتكاثر، ويمتدّ على اتساع الأرض، يغيّر الملامح، ويعيد رسم الخرائط في النفوس.

 

إنه لا يخطئ في جدار أو جسد، بل في بذرة العقل الأولى، في نواة الفكرة، في أول خيط من نسيج الإنسان. والمصيبة أن هذا الخطأ لا يُرى بالعين المجردة، لأنه يسير متخفّيًا في هيئة رأي أو قناعة أو طريقة تفكير، يحملها التلميذ معه إلى آخر العمر، وربما يورّثها لأبنائه وتلاميذه من بعده، فيصبح الخطأ سلالة كاملة تمشي بين الناس.

 

المعلّم حين يزرع كلمة، يزرع معها مصيرًا. فإذا كانت الكلمة مغموسة في جهل أو استهزاء أو ظلم، خرج منها جيل منكسر أو جيل أعمى عن الحقيقة. وإذا كانت الكلمة مغموسة في علم وحكمة ورحمة، خرج منها جيل يعرف أين يضع قدميه، وكيف يفتح قلبه وعقله للكون.

 

دعونا نأخذ مشهدًا أو مثالاً لذلك 

في ذلك الصباح الباكر، بينما كان “علي” الصغير يراقب معلمه باهتمام وهو يشرح درس التاريخ، لم يكن يعرف أن كلمة واحدة ستغير حياته. قال المعلم بغير اكتراث: “أنتم جيل لا يقرأ، ولا يفهم!” فصدقها علي، وحملها في عقله كحقيقة مطلقة، ليتحول من طفل شغوف إلى شاب يعاني من عقدة الدونية كلما واجه كتابًا.  

 

بينما في الصف المقابل، كانت المعلمة “سارة” تهمس لتلميذتها: “أنتِ كاتبة مميزة، ستغيرين العالم بقلمكِ يوما ما!” فكبرت الطفلة وهي تؤمن بأن الحروف بين يديها ليست حبرًا على ورق، بل حرابًا تقاوم بها الظلم.  

 

هكذا ببساطة.. يصنع المعلمون العظماء أو يدمرون دون أن يلمسوا أدوات البناء أو المشرط الطبي.

 

لهذا، فالمعلّم لا يحمل طباشير وكتابًا فقط، بل يحمل مستقبلًا بأكمله، يحمل ملامح أمة بأكملها. خطأه لا ينطفئ بانطفاء مصباح الصف، ولا ينتهي برنين الجرس… بل يبدأ من هناك، ثم يخرج إلى العالم، يمشي بين الناس، يغيّر مصائرهم دون أن يشعروا أنه وليد لحظة واحدة من الإهمال.

 

خطأ الطبيب مؤلم، وخطأ المهندس خطير، لكن خطأ المعلّم أخطر لأنه يتسلل إلى العقول فيسير على الأرض لسنوات وربما لعقود، وقد لا يُكتشف إلا بعد أن يكون الأوان قد فات.

ولهذا، فإن التعليم ليس وظيفةً عادية، بل رسالة تستوجب وعيًا كاملًا بأن كل كلمة أو موقف قد يصنع فرقًا بين أمة تنهض وأخرى تتراجع.

 

فليت المعلمين جميعًا يدركون أن الكلمة في الصف ليست مجرد درس، بل حجر أساس في بناء إنسان… وأن البناء إذا بدأ معوجًّا، فلن يستقيم إلا بمعجزة.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *