الكاتب محمود عبد الله
قدّمت لنا النظريات النفسية في تفسير عملية التعلّم وسلوكيات الأفراد مجموعة من الرؤى، ومن أشهرها نظرية التعلّم بالملاحظة (التعلّم بالاقتداء).
تفسّر هذه النظرية سلوك الأفراد على أساس تقليدهم ونمذجتهم لسلوكيات من حولهم، إذ يُعزى سلوك الطفل إلى ملاحظته الأشخاص القريبين منه والعائد الذي ينالونه من وراء سلوكياتهم.
فكلّما كان العائد إيجابيًا بعد القيام بسلوك معيّن، زاد احتمال تكراره. وكلّما كان العائد سلبيًا، قلّ تكراره.
فالطفل ينظر إليك كما لو كان ينظر في المرآة؛ يلاحظ كل ما تفعل، وما ينتج عن أفعالك.
فعندما تسبّ من حولك فيضحك الجميع، يدرك الطفل أن الضحك عائد إيجابي فيكرّر السباب من خلفك.
وعندما تصرخ في الآخرين فيرتعبون منك، يفسّر الطفل خوفهم على أنه دليل قوّة وعائد إيجابي، فيبدأ بتقليد هذا السلوك ليشعر هو الآخر بالقوة.
وعلى ذلك، يمكن قياس الكثير من السلوكيات الأخرى. لذا عليك أن تنتبه، فأطفالك يتخذونك النموذج الرئيسي لهم، وهم يتعلّمون منك كل شيء.
ويضاف إلى ذلك ترك الأطفال أمام شاشات التلفاز حيث ينمذجون سلوكيات الممثلين والفنانين، إذ يظهرون أحيانًا بمظهر المرح أو القوة أو صاحب المبدأ، بينما يمارسون في الوقت نفسه أفعالًا خاطئة.
نرى مثلًا في الأفلام والمسلسلات أن المجرم يُقدَّم بصفته البطل طوال القصة، ولا يُعاقَب إلا في نهايتها.
ويُصوَّر تاجر المخدّرات على أنه شخص ذو أموال وجاه وسلطان مطاع من الجميع، ويُقدَّم البلطجي على أنه شخص يخشاه الآخرون بل يُصوَّر أحيانًا كضحية.
كما تنتشر مشاهد الأطفال وهم يحملون الأسلحة البيضاء، أو الأبناء الذين يرفعون أصواتهم على والديهم دون أن يُعاقَبوا، بل يحصلون على ما يريدون.
كلّ ذلك يحفر في أذهان الأطفال ويترسّخ في وعيهم، فيبدأون بتقليد هذه السلوكيات وفقًا للعائد الذي يتلقّونه بعدها.
وبالنظر إلى أحوال المجتمع اليوم، نستطيع أن نؤكّد على صدق هذه النظرية. فقد أصبح الأطفال كبارًا، وتحول كثير من المراهقين إلى أشباح يقلّدون كل ما يرونه على الشاشات.
ولا يقتصر الأمر على الأطفال وحدهم، بل تعدّاهم إلى الكبار الذين باتوا يقلّدون معظم ما يُعرض أمامهم، خاصة في فيديوهات التيك توك والبثوث المباشرة التي يحصد أصحابها الأموال مقابل تقديم التفاهة.
وفي النهاية، تذكّر: انتبه لنفسك ولأطفالك، وحاول أن تكون القدوة والنموذج الذي يقتدون به.
فإن لم يجدوا فيك المثل الأعلى، بحثوا عن نماذج أخرى قد تضرّهم، وتغيّرهم، وتأخذهم إلى نفس المصير الذي آل إليه كثير من الناس.
![]()
