الكاتبة منال ربيعي
قبضتُ على مسبحة جدي الخشبيّة، ما زالت تفوح منها رائحة الورد الذي كان يعطّر بها كفّه. تسلّل إليّ طيفه، فعدتُ بذاكرتي إلى تلك الليلة البعيدة…
كنت صغيرة، عنيدة، بشعري الأحمر المتطاير، أجلس بجوار باب الحضرة حيث يجتمع الرجال للذكر. كان المكان مغمورًا بأصواتٍ تشقّ السكون، أصوات الذاكرين تصدح في خشوع:
“يا مرتقب علينا، فوضنا الأمر إليك… ومن بغى علينا، لا شكوى إلا إليك.”
كنت أظن أن مكاني بينهم، لكن جدي نهَرني، وقال إن الذكر ليس للنساء. غضبتُ يومها وخرجت أركض، بينما قلبي الصغير يئنّ من الغصّة.
الجميع ناموا في أماكنهم، إلا أنا، “العفريتة” التي تسهر حتى الفجر ثم تصحو مع أول شعاع للشمس. صعدتُ إلى السطح، حيث عُشّ الحمام، وجلستُ أمدّ إصبعي نحو صفحة السماء، كأنني أريد لمسها. هناك وجدني جدي… اقترب بصمت بعد أن خلع حذاءه، ثم حملني بين ذراعيه.
ـ “بتعملي إيه يا قردة فوق السطح وحدك؟” قالها ضاحكًا.
فأجبته بعفوية:
ـ “أشتكيك لله.”
ابتسم، وسألني:
ـ “وماذا فعلتُ يا صغيرتي؟”
قلتُ بجدية لا يعرفها إلا الأطفال:
ـ “منعتني من جلسة الذكر معكم!”
قبّل وجنتي وقال:
ـ “أخوكِ ولد، وأنتِ فتاة، والجميع في المجلس رجال، لا يصحّ هذا.”
رفعتُ رأسي متحدّية:
ـ “ولماذا لا يكون هناك مجلس ذكر للنساء؟”
ضحك جدي، وقال:
ـ “إن اجتمعت النساء، كان مجلسهن للنميمة لا للذكر.”
أجبتُه بإصرار طفولي:
ـ “حين أكبر، سيكون لي مجلس ذكر خاص، لا يحضره سواي.”
تظاهر بالحزن وقال:
ـ “وأنا؟”
ألقيت بذراعي حول عنقه، وقلت:
ـ “وأنت أيضًا… ويكون معنا القمر الطيب، وتلك النجمات الظريفات.”
غمرني جدي بحبٍ لم يزل يضيء قلبي إلى اليوم.
ومرّت السنين، نيف وعشرون عامًا، وما زلتُ أرفع عيني إلى السماء، أبحث عنه في النور. دمعت عينايَ وأنا أستعيد صوته ودفء حضنه، وتمنّيت أن يجمعني الله به في الجنّة.
ومضت نجمة في تلك اللحظة، كأنها تقول لي إن جدي في الممر النوراني يذكرني أيضًا.
قبضتُ على مسبحته الخشبية، ورحت أتمتم:
“ها أنا يا جدي أذكر الله مع النجوم والقمر… وأنت غبت عني.”
![]()
