...
Img ٢٠٢٥٠٨٢٠ ١٠٤٨٥٥

الكاتب: مصطفى أحمد عبد العزيز 

لطالما أعجبتُ به وانبهرتُ بسيرته، وسبّحتُ الله كلما ذُكر اسمه، وسألتُ له الرحمة حين يُثار الجدل الدائم حوله.
قرأتُ كتابه (الأيام)  الذي توفي _رحمه الله_ قبل أن يُتمه  فوجدت فيه سحراً ولذة لم أعثر عليهما في غيره حتى الآن. وجدت أدباً رفيعاً، ووصفاً بديعاً، وبلاغةً متينة، وحسن صياغةٍ وتعبيرٍ، فضلاً عمّا يحتويه من وقائع وأسانيد تاريخية تصلح مرجعاً هاماً لمرحلة مؤثرة وأصيلة في تاريخ مصر الحديث.

تلك الحقبة التي أنجبت نوابغ وأفذاذاً أصبحوا بحق عظماء مصر في شتى المجالات؛ من علماء الدين ورموز التنوير، إلى الأدباء والشعراء، مروراً بالنقاد والمسرحيين، وصولاً إلى فن التلاوة الذي لا تزال مصر تنفرد به، وانتهاءً بالفنون التشكيلية من رسم ونحت، وبالموسيقى والغناء.
كانت تلك المرحلة موسم حصاد الثقافة في مصر، نهضةً جاءت بعد كفاحٍ طويل، وجهدٍ مضنٍ، ورحلاتٍ للعلم في الداخل والخارج، نجح روادها في تمصير الثقافات الوافدة وصياغتها بروح مصرية خالصة.

ومن أبرز رموز تلك النهضة: طه حسين عميد الأدب العربي، والعقاد في الشعر والفكر والنقد، وتوفيق الحكيم في الأدب والمسرح، ونجيب محفوظ في القصة الفلسفية، ومحمد عبد الوهاب في الغناء والتلحين، وغيرهم من الأعلام الذين شيّدوا جسوراً بين الثقافة العربية والفكر الغربي.

طه حسين نفسه كان أوضح مثالٍ على هذا الجسر. فعندما سُئل عن نشأته ومرجعيته الفكرية والأدبية، أشار إلى تعليمه بالأزهر، وامتنانِه العميق لبعض شيوخه، وعلى رأسهم الشيخ سيد علي المرصفي، الذي قرأ لهم أمهات الكتب مثل: الحماسة، والكامل للمبرد، والأمالي لأبي علي القالي، فضلاً عن مؤلفات الجاحظ كـالحيوان والبيان والتبيين. هذه القراءات تركت في نفسه أثراً بالغاً، وأصبحت أساس فكره فيما بعد.

وأزيد أنا بأن القرآن الكريم كان الأساس الأول لحياته الفكرية، إذ حفظه منذ طفولته في كتّاب القرية. لم يعرف طه حسين نعومة الصغر، بل عانى منذ طفولته البؤس والفقر والأوبئة، وقسوة الأهل والمعلمين. لم ينسَ يوماً شيخه الذي كان يناديه ساخرًا: “سمّع يا أعمى”، غير مدرك أن هذا “الأعمى” سيصبح نوراً تستضيء به العقول في الشرق والغرب حتى اليوم.

لقد كان طه حسين جسراً ثقافياً بين الأدب العربي القديم والفكر الغربي الحديث. وقد عبّر العقاد – رغم خلافه معه – عن هذه الحقيقة قائلاً:
“طه حسين أقام القنطرة الفكرية المفقودة بين الأدب العربي القديم واليوناني والأوروبي القديم، وكذلك بين الآداب الحديثة.”

أما عن قضية كتابه (في الشعر الجاهلي) فقد ثار حولها جدل واسع، ورُميت بسببه تُهماً كبيرة. غير أن الشيخ الدكتور سعيد الكملي – وهو فقيه مالكي متنوّر – أنصفه حين قال:
“لم نجد فيه ما قيل من طعنٍ في القرآن، وأنا بريء من هذا القول.”
وقد وجدتُ في رأيه ضالتي، إذ نظر إلى القضية من قمة عالية، بعيداً عن حصرها بين دعاة “التنوير” و”الأصولية”.

صحيح أن طه حسين أخطأ في بعض اجتهاداته، لكنه لا يستحق أن يُحكم على فكره بالإعدام التاريخي. فحسناته ترجح سيئاته بلا شك. يكفي أنه كافح من أجل مجانية التعليم، واشترط عند قبوله منصب وزير المعارف إصدار قرار بمجانية التعليم الثانوي والفني، وهو صاحب المقولة الخالدة: “التعليم كالماء والهواء.”
وقد حاربه القصر الملكي لذلك، لأنه أدرك أن انتشار التعليم سيؤدي يوماً إلى سقوط الملكية. وقد عاش العميد حتى رأى ذلك اليوم، بل كان أول من وصف حركة الجيش بـ”الثورة”.

من أجل هذه المواقف وغيرها، أسأل الله له الرحمة كلما جاءت سيرته. فالجدل حوله لم يكن خصومة دينية بقدر ما كان خصومة سياسية وفكرية. لقد كان جسراً للعبور بين الثقافات، لكن الغبار تراكم عليه، فأُهمل، وحيل بين الأجيال وكنوزه.

فلنُنصفه، لا بتأييدٍ أعمى، بل بعدلٍ منصف.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *