...
Img 20250821 wa0000

    

 

   الصحفية: نور ناز

 

يعتبر الإبداع مرٱة لامعة تعكس تنوع ثقافاتنا وأرائنا.

 في هذا الحوار، نسلط الضوء على شخصية مميزة تُعتبر نموذجا للنجاح في مجالها.

 

 _هل لنا بتعريف لك؟

 

نزار لعرج: عند بداية الكتابة كنت أصف نفسي: “مسكين بسيط يدفع دين الوردة بالتقسيط.” كنت أشعر أن الكتابة التزام وجداني تجاه الحياة والجمال، دينٌ أحاول سداده كلمة كلمة، ونصا بعد نص.

اسمي نزار لعرج، أكتب السرد والشعر والنقد وأبحث في السرديات والدراسات الثقافية. أؤمن أن الأدب مساحة للبوح والحوار، وإعادة اكتشاف الإنسان في زمن يتسارع فيه كل شيء.

 

 

_ كيف اكتشفت موهبتك لأول مرة؟

 

نزار لعرج: منذ طفولتي كنت مأخوذا بالقصص التي تُحكى في البيت، وبالكتب التي تقع بين يدي. كتبت أولى المحاولات في سن مبكرة؛ أجمع قصاصات الجرائد والمجلات، أحيانا أستعير قولة كاتب لأضعها معها، وأحيانا أخربش بنفسي. هكذا بدأت. لكن الوعي بالكتابة كرسالة ومسؤولية جاء لاحقا حين نشرت نصوصي الأولى في الصحف والمجلات.

 

_ ما التحديات التي واجهتك في تطوير موهبتك؟ وهل تلقيت دعما من أحد؟

 

نزار لعرج: أظن أن التحدي الأكبر الذي رافقني في مسيرتي لم يكن ماديا بقدر ما كان نفسيا وفكريا، وهو مقاومة الإحباط. أن تكتب في مجتمع صاغت الرأسمالية وعيه على نحو لا يضع الأدب في صدارة اهتماماته، يعني أن تواجه سؤال الجدوى كل يوم: لماذا أكتب؟ ولمن؟ ثم هناك صعوبة الموازنة بين انشغالات الدراسة وضغط الحياة اليومية من جهة، ووهج الكتابة الذي يطالبك بتفرغ كامل من جهة أخرى. ومع ذلك، كنت أعود دائما إلى قناعتي بأن الكتابة حاجة وجودية وطقس صوفي.

أما عن الدعم، فقد كنت محظوظا بلقاء أساتذة (اللغة العربية) آمنوا بموهبتي، وأصدقاء شجعوني على الاستمرار، ومنابر ثقافية احتضنت نصوصي الأولى ومنحتها فضاء لتتنفس. هذا الدعم كان سندا نفسيا ومعنويا ساعدني على تجاوز لحظات الشك والتردد. ربما كان عنادي أيضا جزءا من الدعم؛ تلك الإرادة الصلبة التي جعلتني أتمسك بالكتابة حتى وهي تبدو مغامرة محفوفة بالعزلة وعدم اليقين.

 

_كيف تؤثر موهبتك على حياتك اليومية؟

 

نزار لعرج: الكتابة تعيد تشكيل يومي. أعيش لحظات عادية لكنني أراها من زاوية سردية أو شعرية. كل ما أراه أحاول أن أُحوّله إلى كلمات. إنها تمنحني طاقة داخلية لأستمر، وتجعلني أعيش أكثر من حياة في وقت واحد.

 

_ هل تعتقد أن الموهبة وراثية، أم يمكن تطويرها؟

 

نزار لعرج: أرى أن الموهبة بذرة، لكنها تحتاج إلى تربة خصبة من القراءة، والبحث، والتجريب، والنقد الذاتي. ما لا نتحكم فيه هو قابلية الانجذاب للكتابة، ذلك الشعور الذي يجرك إليها، لكن لا قيمة له إذا لم يُصقل بالعمل.

 

_ كيف ترى مستقبل موهبتك خلال السنوات القادمة؟

 

نزار لعرج: حين أفكر في مستقبل الأدب العربي، أراه مرتبطا بتحولات عميقة يشهدها العالم الرقمي. لقد أصبح النص الأدبي جزءا من فضاء تفاعلي يتغير بسرعة. صحيح أن هذا التطور يثير المخاوف لدى بعض المبدعين من تراجع دور الكاتب البشري، لكنني أرى أن الأمر يتعلق بقدرتنا على استيعاب هذه الأدوات وتطويعها، بدل الوقوف في موقع دفاعي.

الأدب العربي يواجه تحديات بنيوية أيضا: ضعف البنية التحتية للنشر، محدودية سوق القراءة، وغياب سياسات ثقافية حقيقية. لذلك، فإن مستقبل أي موهبة يتحدد بمدى قدرة المؤسسات الثقافية والتعليمية على توفير بيئة حاضنة.

أما عني، أريد أن أكون جزءا من هذا التحول، من موقع المبدع الذي يوازن بين وفائه للكتابة كقيمة إنسانية، وانفتاحه على أدوات العصر كضرورة معرفية.

 

 _ما البيئة المناسبة للعمل بالنسبة لك؟

 

نزار لعرج: لا يمكنني حصر الكتابة في مكان ضيق، فأنا أحتاج للحركة. الجمود يطفئ مخيلتي. السفر بالنسبة لي هو انفتاح على عوالم جديدة تسمح لي بجمع المادة الخام التي تتشكل منها نصوصي. الكتابة عندي تتغذى من المشي بين الناس، من النظر في وجوههم وما تحمله من أسرار، من التقاط نقاشاتهم العابرة في الحافلات والمقاهي، ومن ملامسة تلك التفاصيل الصغيرة التي تبدو عابرة لكنها تختزن حيوات كاملة.

ثم إنني أؤمن أن الكتابة تحتاج إلى نفس جمالي. أنا أقدّر الجمال في كل أشكاله: جمال الطبيعة، جمال العمران، جمال لحظة عابرة بين شخصين، أو حتى جمال فكرة خاطفة.. هذا الجمال حين أصادفه يمنحني هواء إضافيا، يجعلني أتنفس من جديد، ويعيد إلي الرغبة في أن أكتب. البيئة المناسبة لي إذن هي انغماس في حركة الواقع والناس، مع فسحات من الصمت أعود فيها إلى نفسي، لأتأمل ما التقطته حواسي وأعيد صياغته على الورق في شكل نص قادر على أن ينقل شيئا سرّيا إلى القارئ.

 

 

_ برأيك كيف يتعامل الكاتب مع النقد السلبي؟

 

نزار لعرج: يقول ديفيد برينكلي: “الرجل الناجح هو الذي يستطيع إرساء أساس متين من الطوب الذي يرميه به الآخرون.”

النقد السلبي على الكاتب أن يتجاوزه دون أن يسمح له بأن يهز يقينه بما يكتب.

 

 

_ من هو الكاتب الذي ألهمك؟ وما أبرز إنجازاتك؟

 

نزار لعرج: لا أستطيع اختزال الأمر في اسم واحد. كل كاتب ترك أثرا في داخلي؛ الكبير الذي نسج شيئا في روحي، والصغير الذي ربما علّمني من خلال نصه كيف أتحاشى بعض المزالق. حتى النصوص الضعيفة نبّهتني إلى ما ينبغي أن أتجاوزه.

 

أما عن إنجازاتي: فوزي بجائزة قصص على الهواء عن قصتي “السرد والكرونوفايزر”، بلوغي القوائم القصيرة والطويلة في مسابقات عربية ودولية مثل أوسكار المبدعين العرب وتلك القصص، نشر نصوصي ومقالاتي النقدية في مجلات مرموقة مثل العربي والرافد والفيصل. كما شاركت في مخيم كتاب الزيتون للكتابة الإبداعية، وقدمت عرضا شعريا في متحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر بالرباط برعاية المعهد الهولندي.

 

_ ما طموحاتك المستقبلية؟

 

نزار لعرج: أن أواصل بناء مشروع أدبي متكامل بين القصة والشعر والنقد، وأن أترك نصوصا قادرة على ملامسة القارئ في عمق وجدانه، وأن أساهم في تأسيس فضاءات جديدة للشباب المبدع في المغرب والعالم العربي. باختصار: أريد كل شيء ممكن، أوليس هكذا هو الإنسان؟ لا يملأ فمه سوى التراب.

 

 

_ ما رسالتك للمواهب المبتدئة؟

 

نزار لعرج: أؤمن أن الكتابة الإبداعية لا تحتمل الوصايا. أتذكر أن كاتبا سُئل: “ما أفضل طريقة لكتابة القصة؟” فأجاب: أن تكتبوا القصة.

ومع ذلك سأقول لهم ما أقوله لنفسي دائما: اقرأوا، اقرأوا، اقرأوا. وعيشوا حزنكم وفرحكم بكل جوارحكم. القراءة والعيش هما زاد الكاتب الحقيقي. فمن خلالهما تمتلئون بالتجارب والمعارف، وحينها فقط تستطيعون أن تقدموا للقارئ تجربة أو حتى نبوءة استشرافية.

 

_ كلمة أخيرة لمجلة الرجوة الأدبية؟

 

نزار لعرج: أحيي جهود مجلة الرجوة الأدبية في إضاءة أصوات الكُتّاب الشباب وإتاحة منابر للتعبير الحر. أعتقد أن مثل هذه المبادرات الثقافية هي ما يصنع المستقبل الأدبي، لأنها تمنح الثقة للمواهب، وتخلق جسور تواصل بين المبدع والقارئ. أتمنى لك وللمجلة مزيدا من التألق والقدرة على احتضان تجارب جديدة، لتظل شاهدة على حيوية الأدب العربي وتجدده.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *