الكاتبة فاطمة صلاح الدكر
البُعدُ ليس أن تفصلكما آلافُ الكيلومترات،
فالمسافاتُ الجغرافيةُ قد يذيبها لقاء،
ولكن ثمّة بُعدٌ آخر،
لا يعرفُه إلا العاشقُ حين تنشبُ مخالبه في صدره،
كوحشٍ جائعٍ يلتهمُ فريسته.
ذاك البُعدُ الذي لا تُقاسُ فيه الأميال،
بل تُقاسُ فيه أنفاسٌ تتقطّع،
وخطواتٌ تُثقلها الوحشة،
وأحلامٌ تنطفئ قبل أن تولد.
إنه البُعدُ الذي ينسلّ بين القلوبِ الولهانة،
فيحوّلُ دفءَ الحضورِ إلى صقيع،
ويزرعُ في ملامحِ اللقاءِ غيابًا مُبطّنًا،
حتى تغدو العيونُ مليئةً… بالفراغ.
ليست كلُّ القلوبِ تعرفُ هذا العذاب،
ولا كلُّ الأرواحِ تذوقُ هذه الحُرقة،
فهو خذلانٌ خاص،
يُمنحُ فقط لمن صدقَ حبَّه حتى العظم،
ثم وجدَ نفسه يتيهُ في صحراءِ القرب… بلا ماء.
فليشهدِ التاريخُ إذن،
أن أقسى مسافةٍ بين قلبين،
ليست ما فرّقته الطرقات،
بل ما شيّدتهُ الجدرانُ الخفيّةُ من صمتٍ ووحشة،
فيمسي الحضورُ غيابًا،
وتغدو الأرواحُ قريبةً… بعيدةً إلى حدّ العدم.
![]()
