...
Img 20250825 wa0019

الكاتبة شروق مصطفى

 

كان كل شيءٍ عاديًا؛ ثرثرتي المعتادة مع ابتساماتٍ عابرة، وبين الحين والآخر تعلو ضحكاتي وتجبر عيني أن تغمض قليلاً، وكأنها تُخفي سرًا بينهما.

وحينها رأيته ينظر إليّ. لم تكن نظرةً عابرة كغيرها؛ كانت نظرةً لا مثيل لها، رأيتُ فيها طمأنينةَ الرفيق، وحنانَ الأم، وراحةً تشبه راحةَ الوطن الذي لم أعرفه يومًا إلا حين نظرتُ إليه.

 

كانت نظرةً لمدّة دقائقَ قليلة، ولكنها كَروايةٍ تُروى دون حروف. كانت كافيةً لإسكات الضجيج من حولي، فلم أعد أسمع شيئًا سوى همسٍ خفي لا يسمعه سواي ولا يفهمه غيري.

تلك النظرة كانت إشارةً خضراء أن هناك قلبًا ينبض لي وأنا لا أعرف، وعينٌ تحمل لي مئاتَ الوعود دون كلام… وعودٌ خفيةٌ بالطمأنينة والحب والدفء.

كانت عيناه أصدقَ مرآةٍ لي، لأرى أجملَ صورةٍ من نفسي.

 

لم يتفوه بكلمةٍ واحدة، ولا أظنه كان ينصت لثرثرتي وكلماتي الكثيرة. كان ساكنًا تمامًا، إلا عيناه… وكأنهما في عالمٍ آخر، ترى ما لا نراه، عالمٍ لا تسعه الحروف ولا الكلمات.

لم يكن بحاجةٍ حقًا إلى الكلام، فعيناه فعلتا كل شيء: تعترفان، تعانقانني بصمت، تعدانني بأشياء لم أطلبها ولكنني أحتاجها، وتبوحان لي بما يختبئ خلف جدران الصمت.

 

لم يتكلم، ولكن عينيه أقسمتا بالحب، وكأنها تقول لي: “لو علمتِ كم أفتنكِ، ما احتجتُ أن أنطق بحرف… فكل الحروف عاجزةٌ حقًا عن البوح في حضرة جمالكِ.”

لقد علمتُ ما قالته عيناه، ولكن سرعان ما غزا جسدي الارتباك، حتى أنني أبعدتُ عينيّ عنه… وهو ما زال ينظر إليّ!

يا لها من نظرةٍ جميلة! بالله، كيف لنظرةٍ واحدةٍ كتلك أن تزرع الطمأنينة والسرور في قلبي هكذا؟

كانت نظرةً واحدة… ولكنها قلبت الموازين، فلم يعد بعدها كما كان قبلها.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *