...
Img 20250921 wa0331

الكاتبة منال ربيعي

أنا أورفيوس، ابنُ أبولّو إله النور، ومن أمّي كاليوب إلهة الغناء والشعر أخذتُ عذوبة الصوت، ومن أبي القدرة على صوغ الموسيقى من ضوء الشمس ونبض الكواكب. اسمي يعني منبع النشيد. كنتُ أمشي في الأرض فيتمايل معي الغصن، وتترك الوحوش وحشيتها، وتدور الطيور في طوافٍ حولي. كان صوتي مزيجًا من النور والهواء، فيه سخريةٌ تحوّل الألم ضحكة، وعذوبةٌ تشدّ الروح حتى تنسى الموت.

حين رأيتُ يوريديس أول مرة كانت في حقلٍ يشبه الفردوس، بين السنابل والرياح الذهبية. بدت لي كإلهة خرجت من حلم؛ شعرها أنهارٌ من قمح، وعيناها بوابتان على السماء. في تلك اللحظة انفتحت كل أوتار قلبي؛ صارت هي اللحن الذي أُوجدتُ من أجله. أحببتها حتى صار الكون نشيدًا واحدًا بيننا.

فلما ابتلعتها الأفعى إلى عالم الموت، وقفتُ أمام زيوس متوسلاً: أعد لي نوري. لكنه أجابني ببرقٍ يلمع في السماء: إنها الآن في مُلك أخي وعدوّي هاديس، وليس لي عليها سلطان. عندها مضيتُ بلا خوف إلى مملكة الظلال. خضتُ نهر الموتى أعزف وأغني بحزن، حتى فاضت عيون كائنات العذاب بالدموع. توقّف سيزيف عن دفع صخرته، وسكتت كائنات الألم، وانحنى الظلام نفسه ليُصغي لصوت أورفيوس ابن أبولّو وكاليوب.

كنت أغني وأعزف فبكت الجدران السوداء، وحتى هاديس نفسه سالت من عينيه دمعة حجرية رحمةً بي. فقال: خُذْها ولا تلتفت حتى تبلغ النور. سرتُ في النفق الطويل، يدي في يد يوريديس، حتى إذا ومض في عينيّ ضوء الشمس، غلبني الشوق والتفتُّ. في تلك اللحظة سُحبت محبوبتي إلى العتمة إلى الأبد.

بعدها بقيتُ على الأرض أبكي وأعزف حتى صار دمي أوتارًا وصار صوتي صلاة. متُّ شهيدًا للحب وللنغم، فرفعتني الآلهة إلى السماء، وجعلت روحي كوكبةً نجمية لامعة هي كوكبة العذراء لتبقى قصتي أبدًا فوق الرؤوس، ويظلّ صوت أورفيوس، ابن النور والأنشودة، يتردّد في النجوم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *