الكاتب اليمني محمد طاهر سيَّار الخميسي
من أنت؟
يا فتى، كاتبٌ وُلدتُ ذات يوم من خطأ إملائي في كتابٍ لا عنوان له، ضاع في مكتبةٍ مهجورةٍ معفّرةٍ برمال الصحراء.
بحثتُ عني وعن ذاتي منقّبًا، فوجدتني قلمًا لمن لا قلم له، وكتابًا ناطقًا لمن لا لسان له، وأديبًا مبدعًا لا يخطئه القول، ولا يعيقه طريقٌ معقّدٌ مهما كان ملتويًا.
ولا ألهو بالكتابة في مواطن الفراغ واللعب، إنما في مواطن الجدِّ بما أنا عالمٌ ودارسٌ به.
لقد وجدتُ بين يديَّ، يا معشر الكتّاب والأدباء والقراء، أمانةً ووديعةً في نفوس الأمة، وعهدًا عليَّ أن أحتفظ بها وأن أؤديها إلى خلفائي، من بعد ما أدّاها إليَّ أسلافي.
أكتب بصدقٍ وعمق، لا أكتب متكلّفًا، بل أكتب متأمّلًا متنبهًا لما أقول.
لا أمدح إلا من يستحق، ولا أذم إلا من يستحق.
من كانت سيرته معي حسنةً، لا ألبسه إلا الثوب الذي هو مرتديه من خُلقٍ وخَلقٍ؛ صادقًا إن نطق، كريمًا إذا أعطى، وسيمًا لا يتصنّع ملامحه إلا بالابتسامة الصادقة، لا يحمل في قلبه إلا الخير لمن حوله.
لا أكتب إلا عن قضية عظيمة، وأعيش متمسكًا بمبدأ واحد دون ميلٍ أو زيغ.
أكتب عن القضايا الاجتماعية، وعن الفقراء والمساكين، وعن الظلم الذي يتعرضون له.
ولا أكتب عن ترف الأغنياء، ولا عن أوجاعهم الباطلة، ولا عمّا يشكون من آلام البطن؛ فالغني لو أعطى ذلك الفقير مما رزقه الله من ماله، لما شكى أحدهما ألمًا، لا الغني سقمًا، ولا الفقير جوعًا.
ولا أذم إلا من كان لئيم الطبع، دنيء الأصل، كاذب المنطق، كثير الهذر والادّعاء، غنيًّا بالمال، فقيرًا بالأدب، جميلًا في المنظر، قبيحًا في السلوك.
ولا أتغزّل إلا بالغزل العفيف، في الحسناوات اللواتي اكتسبن جمال الخُلق من جمال الوجه بالوقار والعفّة والدين؛ لا يلهون بالحب، يحببن كما تحب العذارى بالحياء، ولا يلعبن كما يلعب البغاء.
كما أحب الشعراء والكتّاب والأدباء، وأقرأ الأدب بتمعّن، وأحفظ الشعر الذي يلامس قلبي.
ولديَّ أمانة في النقل والنشر: أنسب كل نص إلى صاحبه.
وأحب الكتب والقراءة، وأميل إلى الهدوء والسكون، أعشق العزلة والانفراد بنفسي وقت المطالعة.
وقتما أنشئ السرديات بالخواطر، أُخرج كل ما بداخلي من مشاعر بكل صدق، لا أكذب الوصف عني، أكنتُ في سعادة وفرح، أم كنتُ في حزن وألم.
وحينما لا أجد لقلبي دواءً على رفوف الصيدليات، أبحث له عن كتبٍ من على رفوف المكتبات.
كما أكره أبناء الغباء حينما يتحدثون معي في أشياء لا يعلمون عنها شيئًا، وأبغض الناس إليَّ هم النقّاد والحسّاد.
وما يضحكني إلا الحمقى والسذّج الذين يكتبون إليَّ “أحسنت” ويمدحونني دون فهم، حينما أذمّ طباعهم، لا يقرؤون نصوصي قراءة سليمة، والذين يصفونني بما ليس فيَّ، يكذبون على أنفسهم بالإعجاب بي دون أن يعلموا ما كتبت.
وأيضًا الذين يستبقون إلى وصف الصورة بأنني “منوّرًا”، أي نور تصفون؟
أنتم لم تروا نوري الذي بين كل سطر مما أكتب، لا في الصورة التي أرسلها كل مرة مرفقة مع كتاباتي ومع اسمي للملكية وحفظ حقوق النشر في مواقع المجلات، حتى لا يستطيع أحد أن ينسبها له يومًا ما.
فأنا كاتبٌ أكتب بما يمليه عليَّ ضميري، ولا ألتفت إلى من يمدحني أو يذمّني.
![]()
