...
Img 20251021 wa0009

الكاتب محمود عبدالله

 

 

في زمانٍ ساد فيه الجهل، وعظُم فيه الشرك، وعمّ فيه البلاء، وكثرت فيه عبادة الأوثان، يظهر دائمًا النقاء والصفاء والفطرة السليمة لدى بعض الأشخاص.

ففي وقتٍ كانت العرب تدفن بناتها أحياء ببعض الحجج الواهية، خوفًا من العار، وخوفًا من غارة القبائل وأخذ بناتهم في الأسر، فيُباعوا في الرق أو يُفعل بهم الأفاعيل،

ظهر رجلٌ قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم إنه سيبعث أمةً وحده، وقال إن له في الجنة درجتين.

ذاك هو “زيد بن عمرو بن نفيل”، الموحّد لدين الله على ملة سيدنا إبراهيم، وهو والد “سعيد بن زيد” أحد العشرة المبشّرين بالجنة.

زيد بن عمرو بن نفيل توفي قبل بعثة النبي، ولكنه كان موحّدًا، ولا يأكل مما يُذبح للأنصاب والأصنام.

ولعل أكثر ما اشتهر به أنه “رحيم الموءودة”.

فقد كانت له قصة مع من يقومون بوأد بناتهم؛ كان يرى الرجل يأخذ ابنته ليدفنها وهي حيّة، فيذهب إليه،

ويقول له: هل تبيعها؟

فيقول له الرجل: نعم، أبيعها. أتشتريها؟

فيرد قائلًا: نعم، بكم تريد أن تبيعها؟

فيقول الرجل: بخمسمائة دينار.

فيدفع له المبلغ، ويأخذ الفتاة، ويربّيها ويكبّرها حتى تبلغ الحُلم، فيأخذها إليه بعد أن ألبسها أفضل الثياب وجمّلها، ويقول له: هل تعرف من هذه؟

فيقول الرجل: نعم، أعرفها، إنها ابنتي.

فيردّها إليه، ويقول له: أكرمها واعتنِ بها، فلقد حفظتها لك حتى تكبر، وعليك باقي الأمر.

تلك من الأفعال الغريبة في ذلك الوقت، ولعل هذا ما جعله مذكورًا حتى الآن، ويُبعث أمةً وحده يوم القيامة.

 

ولنا في هذه القصة عبرةٌ كبيرة في زمننا هذا،

ففي هذا الزمان، الذي يُعتبر هو العصر الجاهلي الحقيقي،

فالعلم ليس بالتقدّم الذي نراه، ولكن بالضوابط التي تحكم أخلاقنا وتجعلنا بشرًا حقيقيين، فالعلم هو سلوك يظهر على المتعلّم.

فنحن نرى الناس يفعلون أشياء غريبة، يبيعون أعراضهم وأنفسهم، ويعبدون من دون الله أشياء لم يُنزّل الله بها من سلطان، وكثر القتل، وتفشّت الإباحية، ويفعل الأهل ببناتهم أفعالًا أكثر بشاعة من قتلهن وهنّ أحياء.

وقد كان يفعل العرب في الجاهلية ذلك بحجّة الخوف من العار والذل والمهانة، ولكن يفعلها الأشخاص الآن، وكلّهم فخرٌ ببيع أعراضهم،

حتى أصبحنا نظن أننا في آخر الزمان.

 

فهل منّا من يفعل كزيد بن عمرو بن نفيل، ويتمسّك بالقيم والمبادئ الإنسانية، ويعبد الله على ما أمر به،

ويكون رحيمًا بمن حوله، ويحاول تغيير أشياء مذمومة تحدث من حولنا؟

على كلّ فردٍ منّا أن يبحث في نفسه عن الإنسان الحقيقي الذي خلقه الله ليكون خليفة الأرض، ويعمرها، ويتجمّل بالأخلاق الحميدة، التي غالبًا ما ستجعله مذكورًا دائمًا،

محمودًا حيًّا أكان أو ميتًا.

 

وفي هذا يقول الإمام الشافعي:

قد مات قومٌ وما ماتت فضائلهم،

وعاش قومٌ وهم في الناس أموات.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *