الكاتبة منة الله محمد
يسمعني حين يراقصني… كلماتٍ ليست كالكلمات،
يُغمرني بصوته، كأنّ الدنيا كلها تُصغي إلينا،
يبني لي قصراً من وهمٍ، أُصدّق جماله للحظة،
ثم ينهار فوق قلبي كرمادٍ كان يومًا جمراً.
كان يُحدّثني عن الأبد،
وأنا التي صدّقت أن الأبد يمكن أن يولد من الحروف.
كل وعدٍ منه كنت أراه شمسًا،
وكل ابتسامةٍ كانت تبدو لي حياةً كاملة.
لم أكن أعلم أنّ الوعود تذوب سريعًا،
وأن الكلمات التي تُشعل القلب،
هي نفسها التي تُطفئه حين تُقال بلا روح.
كم مرةٍ صدّقت الظلال وظننتها دفئًا؟
كم مرةٍ لمستُ الوهم على أنه حب؟
كان كل شيءٍ حولي يخبرني أن الحلم هشّ،
لكنّي كنت أقاوم الحقيقة بنغمة صوته،
كنت أتمايل على حروفه كراقصةٍ متعبةٍ
تحاول أن تُبقي النور في عينيها،
ولو للحظةٍ واحدةٍ قبل أن يسدل المساء ستاره.
ثم رحل…
كأنّ شيئًا لم يكن.
تركني وسط صمتٍ ثقيل،
لا موسيقى، لا وعد، لا ملامح.
فقط أنا، وطاولتي، وأوراقي البيضاء،
أحاول أن أُعيد بناء نفسي من فتات الحروف.
أعود إلى وحدتي كمن يعود من معركةٍ خاسرة،
لا شيء معي إلا الكلمات،
ولا يُحاوطني سوى الخيبات.
أكتب كي لا أنهار،
أكتب كي أتذكر أنني ما زلت هنا،
وأن في داخلي صوتًا لا يشبهه صوته.
ثم فجأة، أدركت…
القصور سقطت، والأوهام تبخرت،
وما تبقّى معي ليس خيبة، بل أنا.
بهدوء، أقف على قدميّ،
قلبي مستقر، وكلماتي رفيقتي،
أتنفس بثبات، وأستعيد نوري الداخلي.
لا أحد يُسقطني بعد اليوم،
ولا كلمات باهتة تُطفئ ما أملكه من قوة ناعمة.
أنا هنا… صامتة، هادئة، لكنها لا تُقهر.
![]()
