...
IMG 20251124 WA0101

 

سارة أسامة النجار

في ركنٍ صغير من هذا العالم المزدحم، وتحديدًا في مدينة رفح ، وُلد قصي أبو طعيمة. لم يكن صوته عاليًا، ولم يصرخ كما يفعل الأطفال حين يأتون إلى الحياة، لكنه كان حاضرًا… حضوره يشبه النسيم، لا يُرى، لكنه يُشعر.

 

قصي، الفتى ذو الخمسة عشر عامًا، لم يكن كغيره من الأطفال. منذ صغره، لاحظت عائلته أنه يرى العالم بطريقة مختلفة. لم يكن يحب الضجيج، ولا التغييرات المفاجئة، ولا الفوضى التي لا يمكن التنبؤ بها. كان عالمه منظمًا كساعة سويسرية، كل شيء فيه له مكان، وله وقت، وله طقوس. يرتب فراشه كل صباح، يغسل وجهه، يختار مكانه المفضل، ويبدأ يومه كما يحب. لا يطلب الكثير، فقط أن يُترك له عالمه الصغير دون عبث.

IMG 20251124 WA0102

قصي مصاب بطيف التوحد ، لكنه لم يكن يومًا سجينًا لهذا التشخيص. بل كان طفلًا هادئًا، كأن قلبه يهمس للعالم بدلًا من أن يصيح. يحب الأرجوحة، لا لأنها مجرد لعبة، بل لأنها تمنحه اتزانًا في عالمٍ لا يتوقف عن التأرجح. يحب الرسم، لا لأنه يملأ الفراغ، بل لأنه يرسم ما لا يستطيع قوله. يحب الأرقام، لأنها لا تخونه، لا تتغير، لا تصرخ في وجهه ولا تطلب منه أن يكون غير ما هو عليه.

IMG 20251124 WA0103

نشأ قصي في بيتٍ دافئ، بين أختٍ وثلاثة إخوة ، وأبٍ حكيم، يعمل رئيسًا للممرضين في قسم الطوارئ ، يعرف كيف يهدئ الألم ويقرأ الوجوه. أما أمه، فهي معلمة لغة إنجليزية ، تؤمن أن الكلمات يمكن أن تبني جسورًا حتى مع من لا يتكلم كثيرًا.

 

قبل الحرب، كان قصي يذهب إلى المدرسة مع إخوته. ذلك الروتين اليومي، المشي الجماعي، الحقيبة على الظهر، والضحكات المتبادلة، كانت كلها جزءًا من عالمه المنظم. المدرسة لم تكن مجرد مكان للتعلم، بل كانت بوابته إلى المجتمع، إلى التفاعل، إلى الحياة. وقد ساعده هذا على أن يكون فاعلًا، مشاركًا، حاضرًا في محيطه، رغم صمته.

 

لكن الحياة لا تسألنا قبل أن تقتحم.

 

في لحظة، انقلب كل شيء. الحرب لم تطرق الباب، بل اقتلعته. وجد قصي نفسه في خيمة، بلا سرير، بلا أرجوحة، بلا نظام. الأصوات تعلو، الوجوه تتغير، والروتين يتبخر. لم يكن النزوح مجرد انتقال من بيت إلى خيمة، بل كان اقتلاعًا من الجذور، من الطمأنينة، من الذات.

 

بدأ قصي يصرخ… لا بكلمات، بل بتصرفات. تمتمات، رفرفة، عزلة، تمرد. لم يكن يرفض الواقع لأنه مدلل، بل لأنه لا يعرف كيف يعيش في عالم لا يحترم حدوده.

 

لكن خلف هذا الصمت، كانت هناك أم.

 

أم لم ترَ في التوحد عيبًا، بل طريقة تفكير. لم ترَ في قصي عبئًا، بل هدية. حين أخبرها الطبيب، لم تنهَر، بل نهضت. جمعت كل ما تستطيع من معرفة، وبدأت تبني له عالمًا جديدًا، حجرًا فوق حجر، حبًا فوق حب.

 

وفي مخيم النزوح ، لم ينعزل قصي. بل أصبح “صديق الكل”. يشارك في الأنشطة التعليمية والترفيهية، يرسم، يضحك، يراقب، ويُدهش من يعرفه. الأطفال يحبونه، لأنه صادق، لا يتصنع، ولا يجرح. الكبار يحترمونه، لأنه يملك ذاكرة دقيقة، واهتمامًا بالتفاصيل لا يُضاهى.

 

قصي لم يكن طفلًا عاديًا، بل عبقريًا في التفاصيل. يتذكر الطرق، الوجوه، الأصوات، ويصحح المعلومة إن أخطأت. يحب العلوم، يقرأ الكتب وحده، ويخزن المعرفة كما يخزن القلب الذكريات. في الصف السادس، وقف أمام السبورة، أجاب، وصفق له الجميع. لم يكن مجرد جواب، بل كان إعلانًا: “أنا هنا… بطريقتي.”

 

قصي علّم أمه الصبر، علّمها أن الإنجاز لا يُقاس بالحجم، بل بالمعنى. علّمها أن الحب لا يحتاج إلى كلمات، وأن الفرح قد يكون في رفرفة يد، أو ضحكة خافتة، أو نظرة ممتنة.

 

قصي ليس حالة، بل حكاية. حكاية طفل يرى العالم من زاوية مختلفة، ويحتاج فقط أن نحترم تلك الزاوية. أن نمنحه المساحة، والهدوء، والقبول.

 

في النهاية، التوحد ليس مرضًا يُعالج، بل طريقة وجود تُفهم.

قصي لا يحتاج إلى شفقة، بل إلى بيئة تحترم عبقريته.

وكل قصي في هذا العالم، هو مرآة لمدى إنسانيتنا.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *