كتبت: مها زايد
“الحياة… فرص تتسلل إلينا في لحظة غفلة، بعضها يرفعنا إلى القمم، وبعضها يهوِي بنا إلى القاع
لكن السؤال الذي يظل غامضًا: متى تأتي؟ وكيف تُغيّر مصائرنا؟ لا سبيل لمعرفة ذلك سوى بخوض التجربة.”
في بلدةٍ لا يعرف أحدٌ بوجودها، ولا يُرى لها أثرٌ على أي خريطة،حين تراها تشعر وكأنك تُشاهد صورةً مجسَّدة لكلمة فقر.
كانت طرقاتها ضيقةً متعرجة، يُغطيها الغبار، وتنتشر فيها الحُفر كأنها ندوبٌ على وجه أرضٍ أنهكها الإهمال.
وعلى جانبيها تصطف بيوتٌ متهالكة، جدرانها متشققة وطلاؤها متقشّر،حتى النوافذ بدت كعيونٍ غائمة، لا تُطلّ على حياة، بل على بؤسٍ مقيم.
وسط هذا المشهد الكئيب، يجلس شابٌّ فقير، يبدو في منتصف عشريناته،يرتدي قميصاً قد بَلِيَ من كثرة ما ارتداه، وبنطالاً لا يكاد يستر شيئًا، بل يكشف أكثر مما يُخفي.
يجلس على حجرٍ مهترئ، يُطأطئ رأسه، وعيناه غائرتان تحملان هموماً أثقل من جسده النحيل.
كان البرد يتسلل إلى عروقه كخنجرٍ بارد، يذُكّره في كل لحظة بأن الفقر لا يرحم
بينما تنتشر حوله رائحة العفن والهواء الممزوج بدخان حطبٍ رديء،فيختنق صدره كما تختنق أحلامه، تلك الأحلام التي وُئدت قبل أن تولد.
جلس هناك صامتاً، يحدّق في الفراغ بعينين زجاجيتين،
كأنه ينتظر معجزةً تنقذه، أو باباً سريّاً يفتح له طريقاً نحو حياةٍ لم يعرفها قط.
لم يكن يدري أن ذلك الباب موجودٌ بالفعل،وأنه سيظهر أمامه في يومٍ قريب… ليُغيّر كل شيء.
كان هذا الشاب يعمل في جمع القمامة،يخرج من منزله المتهالك مع أول خيوط الفجر،ولا يعود إلا مع سقوط آخر أشعة الشمس.
يسعى طوال يومه خلف رزقٍ لا يكفيه إلا بالكاد لشراء رغيف عيش وقطعة جبن رخيصة،طعامٌ يسد جوعه مؤقتًا، لكنه ينهش في قوته يومًا بعد يوم،إذ يفتقر إلى أبسط العناصر والفيتامينات التي تحفظ جسده من الانهيار.
كانت يداه متشققتين، وقدماه متورمتين من كثرة السير،
ومع ذلك، لم يكن يملك رفاهية التوقف أو الراحة،فالفقر كان يطارده كظلٍّ لا ينفك عنه،يدفعه للعمل حتى آخر قطرة عرق، بينما يزداد جسده هشاشة، وروحه انكسارًا.
كان يومه يبدأ قبل أن يفتح الفجر عينيه على الدنيا،فينهض من فراشه المهترئ في غرفةٍ ضيقةٍ لا تكاد تتسع لجسده النحيل،ثم يتوضأ بماءٍ بارد يلسع جلده كما تلسعه قسوة الحياة،ويخرج إلى الطرقات المعتمة، يحمل على كتفه كيسًا خشنًا يضع فيه ما يجمعه من القمامة.
يسير بخطواتٍ بطيئة، لكنه يسير؛ فالتوقف يعني الجوع، والجوع لا يرحم.
أما رائحة النفايات فكانت قد التصقت بثيابه كما التصقت به قسوة الفقر،حتى صار الناس ينفرون منه قبل أن يقترب،
يشيحون بوجوههم عنه كأنهم لم يروه، وكأن وجوده يُشبه القمامة التي يجمعها.
يمرّ على البيوت واحدًا تلو الآخر،فيجد أمام بعضها أكياسًا متخمة بما تخلّى عنه الآخرون،طعامًا فاسدًا، بقايا ملابس، قطعًا مكسورة، وأحيانًا كلماتٍ جارحة تُلقى نحوه بلا رحمة.
كان بعضهم يرمقه باحتقار،وكأن فقره ذنبٌ اختاره بنفسه،
بينما آخرون يرمقونه بشفقةٍ صامتة، ثم يغلقون أبوابهم سريعًا،خشية أن تلتصق بهم رائحة بؤسه.
أما الأطفال، فكانوا يركضون خلفه،يضحكون عليه، وينعتونه بألقابٍ جارحة،بينما كان هو يمضي صامتًا، يبتلع الإهانة كما يبتلع الغبار الذي يملأ صدره.
ومع ذلك، لم يكن قلبه قاسيًا مثل قسوة العالم من حوله،
بل كان يحمل في أعماقه شيئًا من الطيبة لم يستطع الفقر محوه
فكان إذا وجد شيئًا يمكن إصلاحه، كحذاءٍ ممزق أو لعبةٍ محطمة،أحتفظ به، ثم أعاده للحياة بيديه المرتجفتين،
وكأنه يُرمم في داخله أملًا صغيرًا، يرفض أن يموت.
وحين تغرب الشمس،يعود إلى منزله منهكًا، وقد أثقل التعب كتفيه،فيلقي بنفسه على فراشه الممزق دون أن يملك قوةً حتى لتغيير ملابسه،بينما ينام جائعًا في كثيرٍ من الليالي،
يحلم بعالمٍ لا يضطر فيه لنبش القمامة
عالمٍ يتنفس فيه هواءً نظيفًا، ويُنظر إليه كإنسان، لا كظلٍّ متسخ يتفادى الجميع النظر إليه.
فلم يكن يدري أن كل هذه الإهانات وكل هذا العناء،
لم يكن سوى خطواتٍ تُقربه من لحظةٍ فاصلة
لحظة سيقف فيها أمام بوابة ذهبية،بوابة لن تُغيّر عمله فحسب، بل ستقلب حياته رأسًا على عقب.
وفي إحدى الليالي، وبعد يومٍ كان أقسى من سابقيه،
كان البطل يسير عائدًا إلى منزله منهكًا،يمرّ بين الأزقة الضيقة التي يعرفها كما يعرف خطوط يديه
لكن تلك الليلة كان هناك شيءٌ مختلف… شيء لم يستطع تحديده،كان القمر يختبئ خلف سحبٍ داكنة،والصمت يخيّم على البلدة كأنه غطاءٌ كثيف،حتى نباح الكلاب الضالة الذي اعتاد سماعه غاب فجأة
فشعر بخوفٍ غريب يتسلل إلى قلبه،بينما كان يسير متثاقلاً،
لمح في نهاية الطريق الضيق وميضًا خافتًا،كأن شعاعًا من نورٍ ذهبي يتسرّب من خلف جدارٍ قديم متهالك،جدار يعرفه جيدًا، ولم يرَ خلفه يومًا سوى الخراب.
توقف في مكانه، وارتجف جسده،ظنّ في البداية أنّه يتوهّم بسبب التعب والجوع،فرك عينيه بيده، لكنه ما زال يرى الوميض،بل صار النور يتسع شيئًا فشيئًا، كأنه يدعوه للقدوم.
خطا ببطء، تتسارع دقات قلبه مع كل خطوة،وكان يسمع صدى أنفاسه كأنه صراخٌ في سكون الليل.
وعندما اقترب من الجدار، شعر بحرارةٍ غريبة،رغم أن الليل كان باردًا حتى القسوة.
ثم… حدث ما لم يتوقعه،بدأ الجدار يتشقق بهدوء،
وتكوّنت في وسطه بوابة ذهبية،تسطع منها أنوارٌ دافئة، لكنها لم تكن تُشبه أي نورٍ رآه في حياته،نورٌ يملأ صدره بارتباكٍ ورهبة، وكأنه يرى وعدًا سماويًا أو لعنةً غامضة.
تراجع خطوة إلى الوراء،تردّد في أن يلمسها،لكن شيئًا في داخله كان يهمس له بأنها ليست مجرد بوابة،بل فرصة… فرصة لا تأتي إلا مرة واحدة في العمر.
مدّ يده بخوف، وعندما لامست أصابعه سطحها البارد الناعم،
انفتح الباب ببطء،واندفع من داخله نورٌ قويّ أعمى عينيه للحظة،ثم شعر كأن الأرض قد سُحبت من تحت قدميه…
وكأن حياته كلها انقلبت في تلك اللحظة إلى عالمٍ آخر.
فتح عينيه ببطء،وهو يتنفس باضطراب،كأنه خرج من أعماق بحرٍ مظلم إلى سطحٍ يضيئه النهار.لكن ما رآه لم يكن نهارًا عاديًا…
كان نورًا أخّاذًا يملأ المكان،نورًا ناعمًا دافئًا، لا يشبه قسوة شمس الشوارع التي اعتاد السير تحتها،بل كأنه احتضانٌ سماوي يغمر كل ما يقع عليه البصر.
رمش بعينيه مراتٍ عدة، غير مصدقٍ لما يراه.
فأرضٌ ملساء كأنها صُقلت من الذهب امتدت أمامه بلا نهاية،
وعلى جانبيها أشجار باسقة،تتدلى من أغصانها ثمارٌ غريبة الشكل،تفوح منها رائحة حلوة تُشبه مزيج العسل والياسمين.
والمياه… آه، المياه!
كانت تتدفق في قنواتٍ صغيرة صافية كالكريستال،يعكس سطحها الأضواء الذهبية في مشهدٍ يخطف الأنفاس،حتى أنه لمح صورته فيها،لكنها لم تكن صورة الفقير البائس الذي يعرفه
بل شابًا بملابس نظيفة، ووجهٍ أكثر صحةً ونضارة،وكأن النهر أعاد تشكيله في لحظة.
رفع رأسه بدهشة،فشاهد في الأفق قصورًا شاهقة،جدرانها تلمع وكأنها صُنعت من الذهب الخالص،تتزين بأبراجٍ عالية وقبابٍ براقة،وأصواتٌ بعيدة تشبه الموسيقى تتردد في الأرجاء.
تراجع إلى الوراء، غير مصدق،ثم لمس ثوبه بيده، فوجد نفسه يرتدي حُلّة فاخرة لم يحلم بها يومًا،قماشها ناعم، وزخارفها دقيقة،وكأنها صُنعت خصيصًا له.
وقف مذهولًا، تتصارع داخله مشاعر الرهبة والفرح والخوف،
بينما همس لنفسه بصوتٍ مرتجف:
“هل هذا… حلم؟
أم أنني متُّ وانتقلتُ إلى جنّةٍ لا أعلم كيف وصلتُ إليها؟”
لكن قبل أن يتمادى في حيرته،سمع صوتًا عميقًا يأتي من خلفه،صوتًا يملؤه الوقار، يقول:
“مرحبًا بك… في أرض ميراچورا،
حيث الحظ يُعيد صياغة الأقدار.”
استدار ببطء، وقلبه يخفق كطبول حرب،ليرى رجلاً مهيبًا،يرتدي عباءةً مذهّبة، وعينيه تحملان بريقًا غامضًا،بين يديه عصا طويلة يعلوها حجرٌ كريم يتوهج بضوءٍ أخضر.
في تلك اللحظة، شعر البطل أنه على وشك أن يبدأ رحلةً لم يتخيلها يومًا،رحلة ستجعله يكتشف أن الثراء الحقيقي… لا يُقاس بالذهب وحده.
#يتبع
ميراجورا_بوابة حظ
![]()
