...
IMG 20251112 WA0009

 

بقلم / إيمان شلاش

 

غادرت ميرا الفندق وعادت إلى منزلها، وعندما عرف كرم، عاد هو أيضًا إلى الشركة. وفي صباح اليوم التالي، ظن كرم أن ميرا ستأتي إلى العمل، وأنه سيتحدث معها هناك، ووقتها تكون قد هدأت.

لكن في واقع الأمر، ميرا لم تأتِ إلى الشركة، وظل كرم ينتظر طوال اليوم. وعندما فقد الأمل من مجيئها، ذهب هو بنفسه إلى مكان سكن ميرا.

 

وبينما ميرا غارقة في حزنها، فتلك الأفكار عن تلك المرأة لم تغادرها، كانت تظن أن كرم قد وجّه لها كلامًا جارحًا بسبب عبير.

 

يرن الجرس، وتفتح ميرا الباب، فترى كرم.

 

ميرا: كرم؟

كرم: نعم يا مجنونة، لماذا غادرتِ المشروع؟ ولماذا لم تأتِ إلى العمل اليوم؟

ميرا: لو سمحت، أستاذ كرم، يجب عليك المغادرة.

كرم: حسنًا، سأنتظرك في السيارة تحت. يجب عليك معرفة الحقيقة.

ميرا: لا أريد معرفة شيء، يكفيني الذي حصل.

كرم: عشر دقايق وتنزلي، أنا في انتظارك.

 

ذهبت ميرا مع كرم في السيارة، وفي الطريق لم تردد ميرا سوى سؤال واحد: “إلى أين نحن ذاهبون؟”

أما كرم، فقد كان صامتًا كل الوقت. وفي النهاية، وصلوا إلى مكان قديم، مهترئ، نصفه مهدّم على الأرض، وكأن زلزالًا ضرب المكان وتحطم.

 

كرم: وصلنا.

ميرا: ما هذا المكان؟

كرم: هذا المكان هو أكثر مكان أكرهه.

ميرا: لكن لماذا أتينا هنا؟ وما علاقة هذا المكان بما حصل معنا في الأمس؟

كرم: عندما قدمتِ إلى الشركة، لم أكن مقتنعًا ببراعتك بسبب صغر سنك، ولكن عندما قدمتِ صور ومخططات المشروع، رأيت شيئًا مميزًا جذبني.

ميرا: وما هو؟

كرم: تصميمك كان يشبه تصميم والدتي بشكل كبير؛ نفس البراعة، نفس الخطوط الواضحة، والفكرة الهادئة الهادفة.

ميرا: والدتك؟

كرم: نعم، والدتي… والدتي كانت مهندسة مثلك.

ميرا: وأين هي الآن؟ لماذا لم تكمل المشروع هي؟

كرم: هذا هو المشروع. منذ أكثر من خمس سنوات، والدتي استلمت بناء هذا المشروع، وكان هدية مميزة لها من والدي: بناء مركز تسوق خاص بها. فبعد أن قررت أن تستقيل من العمل، اقترح عليها والدي بناء مركز تسوق لتملأ فراغها.

بدأت والدتي بالتخطيط والتصميم، وإضافة اللمسات اللطيفة التي رأيتها أيضًا في رسوماتك. وفي اليوم الأخير، كانت والدتي هنا في هذا المركز، ولكن حصل حادث أليم.

الشخص المسؤول عن مواد البناء كان سارقًا، وضع في البناء نصف المواد المطلوبة، والباقي سرقه.

كانت والدتي سعيدة جدًا بأنها أنهت العمل، فأقامت حفلًا على سطح البناء، وما إن بدأ المعازيم بالقدوم، حتى هبط البناء ومات الجميع.

 

ميرا (بصدمة والدموع تسيل من عينيها): ماتت؟

كرم: نعم، ماتت. ومن وقتها، وأنا الحزن لا يفارق قلبي. كانت شهيدة عملها الأخير قبل استقالتها.

ميرا: ولكن لماذا لم ترمم هذا البناء بدلًا من بناء مركز آخر؟

كرم: هذا البناء هو ذكرى مشؤومة بالنسبة إليّ. أما البناء الآخر، فقد بنيته في مدينة مسقط رأس والدتي، وبالقرب منها، لتكون قريبة من حلمها الآخر، وعلى البحر مباشرة، فهي تحب البحر.

ميرا: لم أكن أعلم أن هذه هي القصة… أنا أعتذر.

كرم: لا، لا داعي للاعتذار. أنا أخفيت عليكِ السبب من البداية.

 

كان كرم يتحدث والدموع تنهمر من عينيه، وقلبه يرتعش. أحسّت ميرا بذلك الحزن الكبير، وأحسّت بأنها ظلمته، فحضنته.

وعندها همس لها في أذنها:

كرم: أرجوكِ، عودي وأكملي المشروع.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *