...
IMG 20251120 WA0009

 

 

الكاتبه خديجة قاضي

 

 

فِي بَيْتٍ دَافِئٍ يَعُمُّهُ الحُبُّ، كَانَ يَسْكُنُ طِفْلٌ يُدْعَى أَحْمَدُ. كَانَ أَحْمَدُ يَعُودُ مِنَ المَدْرَسَةِ وَفِي قَلْبِهِ شَيْءٌ يُضَايِقُهُ، وَلَكِنَّهُ كَانَ يُخْفِيهِ عَنْ أُمِّهِ، وَيَقُولُ فِي نَفْسِهِ: “أَنَا قَادِرٌ عَلَى حَلِّ مَشَاكِلِي حَدِيًّا، وَلَا يَجِبُ أَنْ أُقْلِقَ أُمِّي الَّتِي تُحِبُّنِي كَثِيرًا، وَتَعْمَلُ طَوَالَ النَّهَارِ لِرَاحَتِي”.

 

وَفِي يَوْمٍ، عَادَ أَحْمَدُ وَهُوَ صَامِتٌ لَا يَتَكَلَّمُ، فَنَظَرَتْ أُمُّهُ إِلَيْهِ وَقَالَتْ: “يَا أَحْمَدُ، هَلْ أَنْتَ بِخَيْرٍ؟” فَقَالَ: “أَنَا بِخَيْرٍ يَا أُمِّي، لَا تَقْلَقِي”، وَحَاوَلَ أَنْ يَبْتَسِمَ، وَلَكِنَّ عَيْنَيْهِ كَانَتَا تَقُولَانِ شَيْئًا آخَرَ.

 

وَفِي اللَّيْلِ، جَلَسَتْ أُمُّهُ جَانِبَهُ وَهِيَ تَمْسَحُ عَلَى رَأْسِهِ، وَقَالَتْ: “يَا أَحْمَدُ، قَلْبِي يُحِسُّ بِكَ، وَأَشْعُرُ أَنَّكَ تُخْفِي أَمْرًا عَنِّي، فَهَلْ تُرِيدُ أَنْ تُحَدِّثَنِي؟” فَقَالَ: “أَنَا لَا أُرِيدُ أَنْ أُضَايِقَكِ يَا أُمِّي”. فَضَمَّتْهُ إِلَيْهَا وَقَالَتْ: “إِنَّمَا أَنَا خُلِقْتُ لِأَحْمِلَ هُمُومَكَ، فَلَا تُخْفِي عَنِّي شَيْئًا يَا بُنَيَّ”.

 

وَفِي الغَدِ، عَادَ أَحْمَدُ وَقَدْ ازْدَادَ قَلَقُهُ، فَقَالَتْ أُمُّهُ: “يَا أَحْمَدُ، مَا زِلْتُ أَرَاكَ مُضْطَرِبًا، هَلْ وَقَعَ شَيْءٌ فِي المَدْرَسَةِ؟” فَهَزَّ رَأْسَهُ نَفْيًا، وَلَكِنَّ يَدَيْهِ كَانَتَا تَرْتَجِفَانِ خَفَرًا وَخَوْفًا.

 

وَفِي اللَّيْلِ، سَمِعَتْ أُمُّهُ بُكَاءَهُ الخَافِتَ، فَدَخَلَتْ غُرْفَتَهُ وَجَلَسَتْ جَانِبَهُ، وَقَالَتْ: “يَا أَحْمَدُ، يَبْقَى الأَمَانُ فِي صَدْرِ الطِّفْلِ حَتَّى يُحَدِّثَ أُمَّهُ، وَيَبْقَى الخَوْفُ فِي قَلْبِهِ إِذَا أَخْفَى عَنْهَا، فَهَلْ تُرِيدُ أَنْ تُرِيحَ قَلْبَكَ؟”

 

فَرَفَعَ أَحْمَدُ رَأْسَهُ، وَقَالَ بِصَوْتٍ مُتَقَطِّعٍ: “يَا أُمِّي، فِي المَدْرَسَةِ طِفْلٌ يُضَايِقُنِي وَيَسْخَرُ مِنِّي أَمَامَ زُمَلَائِي، وَأَنَا كُنْتُ أَخَافُ أَنْ أُخْبِرَكِ حَتَّى لَا تَحْزَنِي”. فَأَخَذَتْهُ أُمُّهُ فِي حِضْنِهَا، وَقَالَتْ: “يَا بُنَيَّ، مَا خُلِقَتِ الأُمُّ لِتَسْمَعَ الأَخْبَارَ السَّارَّةَ فَقَطْ، بَلْ وُجِدَتْ لِتَحْمِلَ أَحْزَانَكَ، وَتَقِفَ مَعَكَ، وَتَهْدِي خُطَاكَ”.

 

وَفِي الصَّبَاحِ، ذَهَبَتْ أُمُّهُ مَعَهُ إِلَى المَدْرَسَةِ، وَتَحَدَّثَتْ إِلَى المُعَلِّمَةِ، فَقَامَتِ المُعَلِّمَةُ بِحَلِّ المَشْكِلَةِ وَتَنْبِيهِ الطِّفْلِ المُسِيءِ. وَمِنْ ذَلِكَ اليَوْمِ، عَادَ أَحْمَدُ مُبْتَسِمًا، وَقَالَ لِأُمِّهِ: “يَا أُمِّي، أَنْتِ كُنْتِ تَعْلَمِينَ أَنَّ فِي صَدْرِي هَمًّا وَلَمْ أَقُلْ لَكِ”. فَقَالَتْ: “يَا بُنَيَّ، قَلْبُ الأُمِّ يَسْمَعُ مَا لَا يُسْمَعُ، وَيَرَى مَا لَا يُرَى”.

 

وَضَمَّتْهُ إِلَيْهَا، وَقَالَتْ: “إِذَا احْتَفَظْتَ بِالسِّرِّ فِي صَدْرِكَ ضَاقَ، أَمَّا إِذَا وَضَعْتَهُ فِي صَدْرِ أُمِّكَ اتَّسَعَ”. وَهُنَا ابْتَسَمَ أَحْمَدُ، وَقَالَ: “أَعِدُكِ يَا أُمِّي أَنْ لَا أُخْفِي عَنْكِ شَيْئًا بَعْدَ اليَوْمِ”.

 

العِبْرَةُ

الأُمُّ قَلْبٌ يُحِيطُ بِابْنِهَا، وَتَرَى مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى رُؤْيَتِهِ، فَمَنْ بَرَّ أُمَّهُ سَعِدَ، وَمَنْ أَطَاعَهَا نَجَا.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *