...
IMG 20251214 WA0054

الكاتبة/عاليا عجيزة

نجد فتاة تقرأ لم تكن مذكرات بالمعنى الحرفي، لا أعرف بما أدعوه بعد تلمسه بأنامل ذهبية رقيقة بيسر فدوما ذاك الكتاب يذكرها بما مضى مع والدتها. فهو لم يضم وصفات طعام فقط، بل يحوي حكايات مكتوبة على الهامش بخطها البهيج.

كانت تتأرجح في هذا الكرسي المعلق تحديداً، لأنه كان هدية من والدها لوالدتها في ذكرى زواجهما، وهو الكرسي الذي شهد جلسات لا تُعد من حياكة القصص وتبادل الأسرار.

​وصلت نور إلى صفحة كُتبت في يوم زواجها هي. كان العنوان بخط الأم: “وصفة السكينة… والابتعاد”.

كانت نصيحة مشفرة عن كيفية التعامل مع المسافات التي بدأت تتسع بين نور وشقيقتها الكبرى بعد الزواج.

كانت الأم قد أحست بالتوتر، وكتبت كلماتها كجسر غير مرئي: (“يا حبيبتي، لا تدعي جدران البيوت الجديدة تفصل بين القلوب القديمة. تذكري، الخيط الذي جمعكما هو أقوى من أي قماش.”)
​شعر نور بغصة في حلقها.

 

كل هذه الشهور وهي تلوم أختها على الفراق والتباعد، والآن تكتشف أن والدتها كانت تراقب العلاقة وتكتب عنها، محاولةً ترك دليل للمصالحة.

 

هذا الكتاب، الذي يفوح منه عبق البهارات القديمة ودفء المطبخ، تحول فجأة إلى رسالة أخيرة من قلب الأم.

​إنزلقت دمعة على حاشية الصفحة، مُبللةً بقعة صغيرة من وصفة “كعكة العيد”. رفعت نور عينيها نحو النبتة، التي كانت تزرعها أمها دائمًا في أصيص أبيض مماثل.

أدركت أن الوقت لم يفت بعد لإعادة بناء الجسر. قررت نور أن تُغلق الكتاب، وتُنهي الانعزال، وأن تبدأ رحلة المصالحة باتصال لن يؤجل. كانت تعلم أن السكينة الحقيقية لا تأتي من صفحات مُغلقة، بل من قلوب مُتصالحَة.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *