...
IMG 20260125 WA0141

بقلم / د.فتحي عبدالحميد

 

في هندسة الوجود ثمة زوايا لا تفصل بين الضوء والعتمة فحسب، بل تعيد تركيب ذواتنا تبعا للمسافة التي نختار أن نقف فيها.

نحن لسنا كائنات مستقرة في نقطة، بل ذبذبات معلقة بين ثقل الأرض ونداء الأفق، نعيش العمر كله نحاول فك الشفرة بين ما يشدنا إلى الجذور باسم الحكمة، وما يدفعنا إلى المجهول باسم الحرية.

 

فالإنفصال الحقيقي لا يقاس بالمسافات ولا ترسمه الجدران، بل يتجلى في اختلاف كيمياء الحضور.

ثمة من يأنس بانتمائه إلى المكان، يتتبع ظله على الرصيف كما لو كان سيرة مكتوبة بالضوء، يجد في الثبات معنى وفي الهدوء نوعا من المصالحة مع ذاته.

وثمة من يرفض أن يترك خلفه أثرا، لا لأن وجوده أقل، بل لأن حضوره أوسع من أن يحتويه شكل، فيذوب في الفراغ بحثا عن نقاء لا يحتاج إلى شاهد.

 

هنا يولد التناقض الجميل:

فالقوة ليست دوما في التحليق، كما أن السكون ليس قرينا للضعف.

أحيانا تكون الشجاعة في الوقوف عند حافة العتمة دون أن تسقط، لا في امتلاك أجنحة تخون صاحبها عند أول تعب.

 

الساكن يرى العالم بعين الحقيقة، يعرف أن الأرض هي المبتدأ والمنتهى،

والمندفع يرى العالم بعين الاحتمال، يدرك أن البقاء في الأعلى صراع مستمر ضد السقوط.

كلاهما ليس نقيضا للآخر، بل مرآته.

 

فالضوء ليس مجرد أداة للرؤية، بل قاض وجودي:

هو الذي يمنح الثابت ظلا يملأ الفراغ،

وهو ذاته الذي يجعل الهارب في العتمة نقطة أمل لا تخطئها العين.

 

وبين الظل والضوء تتشكل هويتنا.

بدون الثبات لا نفهم معنى الانعتاق،

وبدون التحليق لا ندرك قيمة الاستقرار.

 

نحن نحيا هذه المعادلة في داخلنا كل يوم:

أن نكون ذاك الذي يراقب بصمت،

وذاك الذي يغادر فجأة إطار الصورة ليخترق المجهول.

 

فهل نحن من يصنع حدوده،

أم أن الحدود هي التي تصنع تعريفه؟

 

في النهاية يبقى المعنى معلقا بين حزم الضوء وعمق الظلال،

لا يُرى بالعين،

بل يُفهم حين يلامسه القلب.

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *