بقلم الكاتب/عارف عبدالهادي الصبيحي
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أتاكم رمضانُ شهرٌ مُبارَكٌ فَرَضَ اللَّهُ -عزَّ وجلَّ- عليكم صيامَهُ، تُفْتَحُ فيه أبوابُ السَّماءِ، وتُغْلَقُ فيه أبوابُ الجحيمِ، وتُغَلُّ فيه مَرَدَةُ الشَّياطينِ، للَّهِ فيه ليلةٌ خيرٌ من ألفِ شهرٍ، مَن حُرِمَ خيرَهَا فقد حُرِمَ». (رواه النسائي)
يا صديقي.. عندما يقال إن الحياة فرص لا بد أن تستغلها، وأن أتتكَ الفرص وضاعت منك، ستتحسر وتندم على ضياع تلك الفرص؛ بل ستجد من يلومك من الناس لضياع الفرص من بين يديك، فيا من ضيع هذه الفرص ودامت خسارته، قد أقبلت أيام التجارة الرابحة، من لم يستغل ويربح في هذا الشهر؛ ففي أي وقت يربح؟ فإذا كان الله قد مَنَّ عليك ببلوغه، ومد في عمرك لوصوله؛ فالواجب استشعار هذه النعمة، واغتنام هذه الفرصة؛ فإنها إن فاتت كانت حسرة ما بعدها حسرة، وخسارة ما بعدها خسارة.
إنه رمضان، شهر الرحمة والغفران، ليس فقط شهرًا للصيام والصلاة؛ بل هو محطة تزويد روحية، ومدرسة حياة تعلمنا الصبر، والتسامح، والكرم، والأخلاق، والتعامل الطيب مع الناس.
يا صديقي، لا بد لنا أن نستغل هذا الشهر العظيم بالطاعة، والتوبة، والإنابة، والرجوع إلى الله، والجلوس مع النفس ومحاسبتها.
في رمضان، نقف على محطة عبور، ولكن ليس كأي عبور عادي، إن هذا العبور، وهذه المحطة، إن لم تستغلها وتتزود منها؛ فاعلم أنك من الخاسرين، وفي الطريق من المستوحشين.
إن رمضان يا صديقي فرصة ذهبية؛ لتنقية القلوب، وتصفيتها من الشحناء؛ فهو شهر العفو والمغفرة، الذي تصفد فيه الشياطين، وتتضاعف فيه الحسنات، علينا أن نستغل هذا الشهر الكريم؛ لغسل قلوبنا بالتسامح؛ فمن عفا وأصلح فأجره على الله، واجعل صيامك حقيقيًّا بسلامة الصدر، ونبذ الأحقاد، طالبين العتق والغفران.
اجعل من هذا الشهر نقطة تحول؛ لتنقية النفوس؛ فمن لم يدع قول الزور، والعمل به؛ فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه.
يا صديقي، رمضان يُعلمنا أن قلوب المؤمنين يجب أن تكون بيضاء نقية لا تحمل الحقد أو الكراهية، لقوله تعالى: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ}.
فالصوم مدرسة ليس امتناعًا عن الطعام فقط؛ بل هو تدريب للروح على العفو، والتسامح، والصبر، والكرم، والتهذيب والتحلي بالأخلاق والصفات الحميدة.
اغتنموا نفحات رمضان؛ لتكون قلوبكم في أرقى درجات الصفاء والمحبة.
يا صديقي، إن من أهم الوصايا في رمضان:
– استشعار الصيام إيمانًا واحتسابًا للأجر، والبعد عن الرياء.
– الحرص على صلاة التراويح وقيام الليل؛ فعن ابي ذر الغفاري رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إِنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ»، رواه أهل السنن.
– الإكثار من قراءة القرآن بتدبر.
قال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 23].
والدعاء المستجاب خاصة عند الإفطار، وبعد الأذان، وآخر الليل.
قال تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [الأعراف: 55]،
يقول الشاعر:
لا تســألن بـني آدم حــاجــة
وسل الذي أبوابـه لا تحجب
الله يغضب إن تركت سؤاله
وبني آدم حين يسأل يغضب
– تعجيل الفطر، والحرص على السحور وتأخيره؛ لورود البركة فيه.
فعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:
(لا يزالُ الناسُ بخيرٍ ما عجَّلوا الفطرَ، وأخَّروا السحورَ) متفق عليه (أخرجه البخاري ومسلم)
– الابتعاد عن الغيبة والنميمة والمشاحنات، لقوله: “فإن سابه أحد فليقل: إني صائم”.
– الإكثار من إطعام الطعام والصدقة؛ فكان النبي صلى الله عليه وسلم أجود ما يكون في رمضان.
– استثمار ليلة القدر وتحريها في العشر الأواخر؛ للظفر بثوابها العظيم.
– الحذر من إضاعة الأوقات على مواقع التواصل والأجهزة الذكية في غير طاعة.
واخيرًا يا صديقي، اذكر نفسي وإياكم أن العبادة لا تنتهي بانتهاء رمضان، فرب رمضان هو رب كل الشهور. لقوله تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر:99].
![]()
