مريم لقطي
قضى الفرسان ليلتها الأمسية في تبادل الحكايات والعبر، بعد أن إطمئنوا على صحة فلورا.
في وقت متأخر من الليل قرر الجميع الخلود إلى النوم.
آريانا بمجرد صعودها أول درجات الطابق العلوي، تذكرت حديث ديمتري فعادت أدراجها إلى الحديقة، حيث وجدته يراقب نجوم السماء خصلات من شعره الذي طال قليلا تتلاعب بها الرياح، مضت بخطوات بطيئة نحوه وهو بدوره استشعر وجودها فإستدار لها” أعتقد أنني جعلتك تنتظر كثيرا”
أجابها” يبدو أنا تسمم فلورا أنسانا المتسبب فيه”
” أنا لديا فكرة سأطلب منها المغادرة لأننا نستطيع تدبر أمورنا، وسأرى موقفها”
” هي بالتأكيد لن تقبل وستتحجج بأنه أمر لكي”
“غدا بعد الإفطار سوف أحاديثها ثم ستكون لي رحلة إلى السوق رفقتها”
” أظنها ستكون رحلة بلا عودة ”
” هكذا تماما، لكن علي إكتشاف ما بجعبتها أولا”
” إذا تصبحين على خير وكوني حذرة”
” تصبح على خير ”
……………………………………
أما على الجانب الآخر كانت هيجيا جالسة بمفردها، تراقب الفراغ وتحدث نفسها بألمم” هل يجدي البكاء نفعا اليوم ؟
لا أعتقد فلقد بكيت هذه الليلة كم لم أبكي من قبل ولم أرتاح.
بكيت وكأنما في البكاء نجاتي ولكنني لم أنجو لا زلت في القاع أصارع الغرق، أصارع موجات الأرق.
الألم يغزو كياني والحزن يمزق فؤادي، والآهات تنخر عظامي.
هي تخلت عن جزء منها، جزء من روحها، جزء ملاصق لروحها، اليوم فقدته، هيجيا لن تتمكن من التحول إلى أفعى بعد اليوم.
الساحرة سيلينا لم تكن تمزح عندما أخبرتهم أن الثمن سيكون باهضا، وهيجيا فضلت الإختلاء بنفسها والتجرع من كأس الألم بمفردها، هي الآن تشعر وكأن روحها سُحبت منها.
…………………………………..
في صباح اليوم التالي استيقظت آريانا باكرا بحجة مساعدة أنابيل في إعداد طعام الإفطار.
” صباح الخير أنابيل، كيف حالك؟”
إبتسمت وأجابتها” صباح النور، الحمد لله أنا بخير، شكرا على سؤالك، كيف هو حال فلورا؟”
” أظنكِ أدرى بحالها يا عزيزتي أنابيل”
إصفر وجهها وحاولت جاهدة التظاهر بالثبات ثم تكلمت” عفوا لم أفهم المغزى من وراء كلامك هذا!”
” كلامي واضح وضوح الشمس”
حاصرتها بالألحان التي انبثقت من بين يديها كخيوط فضية لامعة، تصدر لحنا مرعبا عال” والآن إما أن تخبريني مع من تعاونتي أو أن نهايتكِ ستكون بين يداي أيتها الخائنة”
لكن أريانا لم تكن تعلم أنا الخائنة التي تسللت بينهم تعد ساحرة لم تكتمل جميع قواها بعد فحاولت استخدام سحرها للفرار ولكن آريانا كانت تفوقها قوة وحاصرتها بظلال سوداء تصدر همسا خافتا وكأنه سحر دفين إلى أن وقعت أنابيل أرضا حتى غرزت آريانا سكينا بكتفها ثم قيدتها.
استيقظ الفرسان جميعا على الضوضاء العالية، يتساءلون عن الفوضى بالمطبخ، همست لهم آريانا بأن أنابيل الواقعة أرضا تسترد أنفاسها هي السبب وراء تسمم فلورا، كما أخبرت ثانوس وآرام أن يأخذاها إلى ملحق القلعة وبعد ذلك هي ستتولى أمرها بنفسها.
بطرس” كيف حدث كل هذا دون أن نعلم”
فأخبرهم ديمتري مختصر الأمر وأنه عليهم تكثيف التدريبات أكثر.
………………………………….
آريانا إتخذت من غرفة العزف مخبأ لها، كانت تعزف ألحانا ثورية ، قوية، صاخبة ومتماسكة في آن إلى أن غفت.
وجدت نفسها داخل قصر كبير وحفل ضخم، تضيئه شموع سوداء وأخرى حمراء، جميع المتواجدون يرتدون أقنعة ذهبية متشابهة، وكانت هي تعزف وسطهم، تقدمت نحوها فتاة من بين الحضور نزعت قناعها كما لو كانت حقيقية آريانا الأخرى، وجه مشابه لوجهها، فقط همست بأذنها” أنت وريثة أرواح مضطهدة، كل ما تعيشينه جزء من معركة أزلية.
استفاقت أريانا على إثر ذلك الهمس وبقيت تسأل نفسها أكانت حقا في حلم أم يقظة.
………………………………….
“هل ستشرق شمس الحرية يوما”
في مكان مظلم تجلس وتستمر بتكرار” سجنت وأنا طفلة ”
تقبع في زنزانة مظلمة بها نافذة صغيرة من قضبان حديدية، جدران باهتة اللون وسرير قديم وأغطية مهترئة، وأمامها رغيف من الخبز اليابس.
هي لا تعرف حتى كم عمرها ولا في أي تاريخ أو شهر أو حتى سنة، حتى الوقت لا تعرفه.
تتذكر جيد كيف هجمت الجيوش على بيوت قريتها في إحدى الليالي الباردة من شهر ديسمبر وكيف قتل البعض وأُسر البعض الآخر، استفاقت من شرودها على صوت رفيقتها في الزنزانة وهي تناديها، سالي، سالي، أين شردي لي ساعة وأنا أتحدث وحدي”
سالي” عفوا إيرنا لقد شردت قليلا”
………………………………….
وأما في ملحق القلعة فكانت أريانا تحاول أخذ أي معلومة من أنابيل،
” من الذي أرسلك أو لستِ من أتباع الملكة، صديقيني لا خيار لك سوى قول الحقيقة”
أنابيل” في كل الأحوال سأموت”
أريانا” ألا تخجلين من هكذا تصرف، هناك أطفال تقتل، مقدسات تُنتهك، نساء تُغتصب، رجال أسرى وأنت تقفين في طريقنا، نحن نحاول إنقاذ مملكة كاملة من يد حاكم طاغٍ، متجبر، كيف سمحت لك نفسك بهكذا فعل دنيء؟
أنابيل” ليس بيدي، ليس بيدي” وأجهشت في بكاء مرير، ثم واصلت الحديث مع شهقاتها التي تحاول كتمها، لقد قتلوا إخوتي جميعا وهددوني بإبنتي سالي، لقد أخوها مني منذ كان عمرها عشر سنوات، الآن عمرها عشرون سنة، عندما كنت قادمة تم إختطافي، وهددوني بإبنتي كانت مهمتي القضاء عليكم جميعا”
آريانا” ولسوء حظك فشلتي بمهمتك”
أنابيل” لم يكن لدي أي خيار آخر، منذ عشر سنوات لن أرى فلذة كبدي، لو كنت أما لعرفتي معنى أن يفقد المرء جزء من روحه”
آريانا ” أنت ستبقين هنا إلى أن تصل الرسالة إلى الملكة وبالنسبة إلى سالي سننقذها كما سننقذ بقية البشر، لن ندعى مملكة العذاب بين يدي ماكس أبدا”
تركت أنابيل في الملحق، صحيح بأن قصتها أحزنتها ولكن الشيء يبرر الخيانة ومحاولة قتل أحدهم.
صعدت الدرجات، بينما هي كذلك، أحست بقشعريرة تسري بكامل جسدها كما لو أن هناك عيونا تراقبها خفية من مكان ما، بدأ قلبها ينبض بقوة وأخذت تسرع في خطاها، وظلت تهمس” مجرد وهم فقط”
ولكن عند وصولها لآخر درجة ظهرت أمامها إمرأة أرتدي فستانا أسود طويل، قناع يضاهي سواد الليل وشعر ذهبي منسدل إلى ما بعد منتصف ظهرها، سألتها أنت صاحبة اللحن المحظور، جئتك من مدينة الأموات لأخبرك بأن ظلال ماكس إقتربت بشكل كبير منكم، لم يتبقى الكثير حتى تقام الحرب.”
ثم ناولتها صندوق خشبي قائلة” إن تمكنت من فتحه ستكونين صاحبة البلورة السوداء”
تناولت منها الصندوق وإختفت المرأة كأنها لم تكن وكأن لا أثر.
واصلت آريانا طريقها إلى القلعة ومن قلة إنتباهها إصطدمت بأيريس.
إعتذرت منها واتجهت بسرعة البرق نحو المكتبة، وأخذت تقلب بين الكتب لساعات طويلة دون جدوى.
![]()
