...
IMG 20260210 WA0008

الكاتب: إسماعيل أبوزيد

 

الحبّ في القرآن ليس كلمة عابرة، بل معنى سماويٌّ عميقٌ يتجاوز العاطفة إلى جوهر الوجود.

إنه خيطُ النور الذي يربط المخلوق بخالقه، والإنسان بالإنسان، والروح بالحياة.

قال الله تعالى:

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾

(البقرة: 165)

في هذه الآية، يعلّمنا الله أن الحبّ الأعلى هو حبّ الله، وأن كل حبٍّ سواه يجب أن يكون منبثقًا من هذا الأصل العظيم.

فالحبّ الصادق لا يُخرج الإنسان من عبوديته لله، بل يُقرّبه إليه أكثر، لأنه حبٌّ من نور لا من شهوة.

ثم جاء قوله تعالى:

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ…﴾

(آل عمران: 14)

فهنا يتجلّى الوجه الآخر للحبّ، حبّ الدنيا وزينتها، وهو حبٌّ فطريّ، زرعه الله في الإنسان ليعمر الأرض لا ليُفتن بها.

فالفرق بين الحبّ الطاهر والحبّ المَرضيّ هو النية والمقدار.

من أحبّ الأشياء بقدرها عاش في سكينة، ومن أحبّها فوق قدرها هلك فيها.

وفي سورة يوسف، نقرأ أبلغ مشهدٍ لحبٍّ دنيويٍّ تاه عن مقصده:

﴿قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾

(يوسف: 30)

حبّ امرأة العزيز ليوسف كان حبًّا جارحًا، خرج من طهر الإعجاب إلى نار التملك.

ورغم ذلك، ترك الله هذا الموقف في كتابه، ليعلّمنا أن الحبّ امتحانٌ للقلوب:

من طهُرت نيّته ارتقى، ومن استسلم لهواه سقط في ظلامه.

وفي موضعٍ آخر:

﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ (الفجر: 20)

﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (العاديات: 8)

فالله لا ينهى عن الحبّ، لكنه يُهذّب مساره، ليكون حبًّا واعيًا لا أسيرًا، حبًّا يطهّر لا يُفسد.

وهكذا نرى أن الحبّ في القرآن مراتب:

حبّ الله، حبّ الخير، حبّ الناس، ثم حبّ الدنيا، لكلٍّ منها مقامه وحدّه، لكنها جميعًا تشهد بأن الحبّ فطرةٌ ربانية،

إذا صفَت، صارت طريقًا إلى الجنة.

 

 

 

 

 

 

Loading

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *